درس: شبهات وبينات 1
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
في هذا الجزء الأول من سلسلة شبهات وبينات سنرد إن شاء الله على شبهتين من أقوى الشبهات التي يقدمها التراثيون على منهج المسلمين الحنفاء وذلك بعضوضة القرآن وتحريف الكلم عن مواضعه كعادتهم
سنجيب على سؤالين هما
- هل الرسول يحكم بالسنة أي برأيه هو أم بالقرآن
- هل الرسول يفسر ويشرح القرآن وشرحه هو السنة
● 1. - هل الرسول يحكم بالسنة أي برأيه هو أم بالقرآن
يقول الله تعالى
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( 41 ) •
سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْـًٔا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ( 42 ) •
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ( 43 ) •
إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ( 44 ) •
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلْأَنفَ بِٱلْأَنفِ وَٱلْأُذُنَ بِٱلْأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُۥ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ( 45 ) •
وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ( 46 ) •
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ( 47 ) •
وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 48 ) •
وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَـٰسِقُونَ ( 49 ) •
أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 50 ) • ﴾ ( المائدة الآيات 41-50 )
هذا المقطع من سورة المائدة كاف لمن كان من الذين يخشعون لكلام الله ويسجدون له إذا سمعوه.
بماذا كان النبيون يحكمون للناس : الجواب: بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ
وهذه الآية كذلك تقول الشيء نفسه:
﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ( البقرة 213 )
كيف كان النبيون يحكمون بين الناس وبماذا. الجواب بالكتاب ولاحظ أخي الكريم أن الذي يحكم ( مفرد ) " لِيَحْكُمَ " هو الكتاب وليس الجمع ليحكموا
فعلى الرغم من أن الذين يحكمون هم النبيون لكن الآية نسبت الحكم للكتاب أي لله.
ومن هم الذين لا يحكمون بما أنزل الله. هم الكافرون ( المائدة 44 ) وهم الظالمون ( المائدة 45 ) و هم الفاسقون ( 47 ) . إذا من كان يظن أن رسول الله يحكم بغير ما أنزل الله فهو يتهم الرسول أنه كافر ظالم وحاشاه.
تأكيد ثلاث مرات على الحكم بما أنزل الله لكي لا نأحذ هذا الأمر باستخفاف ونتيه . لكن للأسف وقع لنا نفس الشيئ الذي وقع للأمم السابقة . إختلفنا في الكتاب. وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه بغيا بينهم .
ثم بعد ذلك
بعد أن دعا الله أهل الكتاب أن يحكموا بما أنزل الله من الكتاب الذي عندهم ، يعود إلى الرسول والأمة الخاتمة ، فيقول الله تعالى لنبيه أنه أنزل عليه الكتاب مهيمنا على الكتاب الذي سبقه. والهيمنة ليست السيطرة، فليس هناك تضاد بين كتاب موسى وكتاب محمد. مهيمنا عليه يعني محيطا به ومحافظا عليه فلم يعد باستطاعة أحد أن يغير في الكتاب شيئا. وهذا التنزيل الثاني للكتاب يدعو في الله الرسول أن يحكم بينهم به ( ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ ) أمر مباشر واضح، ليس فيه لبس. يأمر الله تعالى الرسول أن يحكم بين الناس بالقرآن في الآية 48. ثم تبدأ الآية التي بعدها ، الآية 49 ب: ( وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ) . تكرار للأمر. فهل بعد هذين اللأمرين من وضوح.
وليس فقط ان يحكم الرسول بينهم بالكتاب. بل حذره الله أن يفتنوه فيحكم بما لم ينزل الله ( وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ) .
بعد هذا التوضيح وهذا التحذير من الله لرسوله الكريم . أليس إفتراءا على الله ورسوله أن يقال أنه يحكم من عند نفسه.
إنه والله بهتان عظيم.
لكن التراثيين في طريقتهم الشيطانية ، دينهم وطريقتهم هي تقسيم كلام الله وعضوضته واستخراج مفاهيم شيطانية بهذا التقسيم تراهم يلبسون على الناس البسطاء بقول الله تعالى
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ ( النساء 65 )
فيقولون ها أنتم أيها الضالون ، ها هو القرآن يدعونا لإتباع السنة .
لأنهم ببساطة يقسمون القرآن . وإلا فالأمر سهل جدا. نعم قومه لا يؤمنون حتى يقبلوا بحكمه بينهم وحكمه بينهم بالقرآن كما أسلفنا وبيَّنَّا. إنتهى .
أو حين يأتون إلى الآية :
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَـٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ( النساء 59 )
فيستنتجون معنى خاطئا كذلك فيقولون أن ردوه إلى الله هو القرآن وردوه إلى الرسول هو السنة.
ولا يرون ان الله يقول في آية ثانية
﴿وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ( الشورى 10 )
فالثانية تحكم الأولى وآيات سورة المائدة بينت بما لايدع مجالا للشك أن رسول الله مثله مثل جميع الأنبياء الذين قبله يحكمون بما أنزل الله إليهم من الكتاب.
الإشكال عندهم بكل بساطة أنهم ليس لديهم منهجية الربط بين آيات القرآن واستحضار المنظومة القرآنية في شموليتها.
فالجمع بين ( النساء 59 ) و ( الشورى 10 ) يعني مباشرة أن الحكم لله. ثم إستحضار آيات المائدة يجعل الأمر واضحا تماما.
لكن قد يقول قائل منهم أن كلامه كذلك وحي من عند الله ولو كان خارج الكتاب معتمدين على قول الله تعالى :
﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ( 1 ) • مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ( 2 ) • وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ ( 3 ) • إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ ( 4 ) • عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ ( 5 ) • ﴾ ( النجم الآيات 1-5 )
ومرة أخرى باستحضار المنظومة القرآنية في شموليتها. هل القرآن يقول أنه نزل الله عليه الله شيئأ آخر غير القرآن. وصراحة هذا الأمر يتكرر كثيرا في القرآن فلا يجادل فيه الا من في قلبه مرض.
فالقرآن لم يذكر أبدا أن الله أوحى إليه شيئا غير القرآن.
﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـٰدَةً ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل لَّآ أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ( الأنعام 19 )
﴿قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْىِ ۚ وَلَا يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾ ( الأنبياء 45 )
﴿وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ( الأنعام 51 )
﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ ( ق 45 )
ما أوحى الله على رسوله إلا الكتاب. ولا وجود لوحي ثان إلا في ذهن التراثيين.
من أراد أن يجادل في هذه الآيات فذلك شأنه. ومن سجد لها فقد تحرى رشدا.
لكن التراثيين لا يتوقفون هنا. وحين تجيبهم من اليمين يأتونك من اليسار.
فقد يقول قائل منهم نعم رسول الله يحكم بالقرآن وذلك بتبيين القرآن . وبيانه هي السنة. وهنا نأتي للشبهة الثانية
● 2 - هل الرسول يفسر ويشرح القرآن وشرحه هو السنة
يأتون كعادتهم بقول الله تعالى :
﴿بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ( النحل 44 )
فيقولون ها هو الله تعالى يقول أن الرسول يبين القرآن وتبيينه هو السنة واتباع السنة هو كمال إتباع القرآن.
لكن الأمر فيه تحريف خطير لكلمة "بَيَّنَ" ومشتقاتها في القرآن. وهذه طريقتهم الشيطانية في تحريف كلمات الله. تماما مثل قولهم
﴿وَٱذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ ( الأحزاب 34 )
فالحكمة عندهم هي السنة. وصراحة ولنكون منصفين فالذين يقولون أن كل المسلمين أجمعوا أن الحكمة هي السنة هم فقط شيوخ الفضائيات فهم لا يقرأون ولا يعقلون ولا حتى يطلعون على التراث الذي هم يتبعونه. فالسابقون لم يقولوا هذا. بل إن أغلبهم يقولون أن الحكمة هي حسن التفقه في الدين.
إن الفعل "بَيَّنَ" في جميع آيات القرآن له معنى واحد وهو الإظهار وهو عكس الكتمان .
﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ ( آل عمران 187 )
فالله تعالى أخذ ميثاق الذين أوتوا الكتاب أن يبينوه للناس ولا يخفوه عنهم. وليس أن يشرحوه لهم .
﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ( النحل 64 )
ورسول الله أنزل الله عليه الكتاب ليبين لهم أي يُظهر لهم الذي كانوا فيه يختلفون . ولفهم آية ( النحل 64 )
تأتي هذه الآية ( المائدة 15 ) لكي لا تدع مجالا للشك أن تبيين الرسول هو إظهار الرسالة
﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ﴾ ( المائدة 15 )
إذا فرسول الله يبين أي يظهر كثيرا مما كان يخفيه أهل الكتاب.
لنأخذ الأمر بالمنطق. من سمع رسالة الله حين نزلت. أليس هو رسول الله.
هل سمعها معه أحد. بالطبع لا.
إذا كيف ستصل الرسالة لقومه ولا تبقى مكتومة خفية. الجواب بتبيانها وإظهارها. وكيف يكون هذا التبيين الجواب بتلاوتها.
نعود مرة أخرى للأية التي يستدلون بها ولا يقرأونها حتى كاملة . فلو قرأوها كاملة ما فهموها فهما شيطانيا.
﴿بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ( النحل 44 )
بالله عليكم لو كان تبيين الرسول هو شرح وتفسير القرآن فما الغاية من وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. وما الحاجة من إعمال العقل والتفكر إن كان الرسول قد شرح كل شيئ .
ولو إفترضنا أن رسول لله شرح القرآن وشرحه جزء من الدين فأين هو شرحه. لماذا احتاج الناس إلى شراح كالقرطبي وابن كثير. ولماذا احتاج الناس إلى علماء التأويل كمجاهد وقتادة
أفلا تعقلون. أفلا تتفكرون
إن المشكل يكمن في تغير اللغة العربية وبعدها عن اللسان العربي المبين الذي نزل به القرآن.
الشرح والتفسير جاء بمصطلح آخر في القرآن وذلك بقوله تعالى : ﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ ( فصلت 44 )
لو جاءهم القرآن أعجميا لا يفهمونه لطالبوا بتفسيره وشرحه أي تفصيله.
والقرآن مفصل : ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ( هود 1 )
ومن هذا المعنى للبيان ما كان يحدث حين كان القرآن يتنزل على الرسول فكان يخاف عليه أن يضيع فيردده بلسانه فقال له الله تعالى يا رسولنا الكريم : ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِۦٓ ( 16 ) • إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ ( 17 ) • فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُۥ ( 18 ) • ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُۥ ( 19 ) • ﴾ ( القيامة الآيات 16-19 )
الله ستكفل بجمعه وتوضيح معانيه ( قرآنه ) والرسول مأمور بإتباع هذه المعاني ثم إن على الله بيانه أي إظهاره فلا يستطيع أحد كتمانه أو إخفاءه.
ومن البيان أيضا إظهار الأفكار بالكلام : ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٱلرَّحْمَـٰنُ ( 1 ) • عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ ( 2 ) • خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ ( 3 ) • عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ ( 4 ) • ﴾ ( الرحمن الآيات 1-4 )
فالله تعالى علم الإنسان البيان أي إظهار أفكاره .
وأخيرا نجد الذين كَبُرَ عليهم هذا يقولون أنتم تريدون أن تجعلوا رسول الله كساعي بريد ليس له من الأمر شيئ.
لكنهم ينسون أمرا بالغ الأهمية أن رسول الله ليس فقط رسول الله بل هو فوق ذلك حاكم ورئيس دولة وقائد جيش . فمهمته بعد أن يبلغ الوحي أن يعيده ويعيده حتى يتعلمه قومه ويذكرهم به فإذا رآى ظالما ذَكَّره ووعظه وإن رآى فاسدا نهاه عن ذلك وهكذا.
صراحة هذا القول سخيف جدا. وكأن قوم الرسول ما شاء الله كلهم طيبون يسمعون القرآن مرة واحدة فيطبقونه في أسواقهم وأنديتهم. فيتوقفون عن الظلم والكذب والعدوان و....
لقد مكث فيهم دهرا يعلمهم وينصح لهم، وأعداءه من شياطين الإنس والجن يقاومون تعليمه ونصحه ويخططون ويتناجون بالإثم والعدوان ويبيتون قولا غير الذي قاله ووو .﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ ( الفرقان 31 ) .
تجد هنا مزيدا من الدروس القرآنية —