درس: عذاب القبر

بسم الله الرحمن الرحيم. وبه نستعين من بين الزيادات في الدين التي جاء بها التراث هو عذاب القبر. حتى أصبح عندهم شيئا معلوما من الدين بالضرورة. وكعادة شيوخ الفضائيات الذين لا يقرأون حتى كتب التراث التي يقدسونها فأصبحوا يجعلون عذاب القبر من صميم العقيدة. وليس شيءا خلافيا . فتراهم يتربون على القرآنيين إنكارهم لعذاب القبر. في هذا الدرس سنرى بوضوح أن إدعاءهم الدفاع عن الكتاب والسنة هو في الواقع تكذيب للقرآن من أجل روايات مخالفة له. ومعذرة، سيكون الدرس طويلا بعض الشيء ، وذلك لأننا جربنا التراثيين. فلو أتيتهم بمائة آية تتفق على نفس المعنى في موضوع معين. إلا آية واحدة فهموها بشكل غير مباشر. فقط بتأويل وأقوال الأولين. فإنهم يرمون بالمئة آية .ويتشبتون بالآية الواحدة. ليس بأنها تناقض المائة آية الأخرى. بل هو فقط تقديسهم لآبائهم الأولين. ذلك لأنهم لا ينظرون أبدا الى القرآن وفق منظومة شاملة ولا يحاكمون الآيات لبعضها أو يوفقون بينها . لهذا سنضطر أن نأتي بكل الآيات التي في رأيهم تثبت عذاب القبر. لكن قبل ذلك سنبين المنظومة القرآنية في هذا الموضوع وذلك بالإجابة عن الأسئلة التالية:

1 - متى يكون الحساب والعذاب 2 - متى تكون توفية الأعمال 3 - متى يكون العرض على النار

ثم بعد ذلك سنأخذ الآيات التي يعتبرونها دليلا على عذاب القبر وسنرى.

القرآن الكريم لم يذكر أبدا أي عذاب في القبر. وكل آيتاته تؤكد أن الحساب يكون يوم القيامة. وهذه الآيات تلخص كل شيئ. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن طِينٍ ( 12 ) • ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ ( 13 ) • ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰمًا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ ( 14 ) • ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ( 15 ) • ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تُبْعَثُونَ ( 16 ) • ﴾ ( المؤمنون الآيات 12-16 )

فيها تفصيل واضح لكل المراحل من الخلق إلى يوم القيامة وليس هناك مرحلة بين الموت والبعث. لكن كما جرت العادة مع التراثيين. لا يصدقون بآية واحدة ولا اثنتين . بل لا يكاد يتحرك لهم جفن حتى بعد إتيانهم بعشر آيات. تماما مثل إدعاءهم أن القرآن ليس تبيانا لكل شيء على الرغم من تقديمنا لعشرات الآيات. سنبدأ إذا بالجواب على الأسئلة الثلاثة.

● 1 - متى يكون الحساب والعذاب وقت الحساب والعذاب من الأمور التي يكثر ذكرها في القرآن بحيث لا تكاد سورة من سوره إلا ذكرته.

﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ( البقرة 113 )

﴿ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ ( النساء 141 )

﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْـًٔا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ﴾ ( الأنبياء 47 )

﴿ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ( الحج 69 ) ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ۖ وَلَيُسْـَٔلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَمَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ ( العنكبوت 13 ) ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ( السجدة 25 ) ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ ( الزمر 31 ) ﴿رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ﴾ ( إبراهيم 41 )

وغيرها كثير جدا جدا . الحساب يكون يوم القيامة وليس قبلها . هو يوم الفصل بين الناس وهو يوم الدين حيث توضع الموازين. وهل تكون توفية الأعمال والحساب عليها قبل يوم القيامة؟

● 2 - متى تكون توفية الأعمال

﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ( البقرة 281 ) ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ( آل عمران 161 ) ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ﴾ ( آل عمران 185 )

يقول الله تعالى أن توفية الأجور والأعمال لا تكون إلا يوم القيامة. لماذا نكثر من ذكر هذه الآيات . لأننا سنعود بعد ذلك لبعض الآيات المتشابهة التي يعتمد عليها عباد التراث ليثبتوا عذاب القبر. يَعْمَوْنَ عن عشرات الآيات المحكمات التي تكررت عشرات المرات. وعوض أن يُحَكِّمُوا الآيات المتشابهة إليها. يستخرجون فهما مخالفا للقرآن وللآيات الكثيرة فقط لأن محدثي بني أمية من تلامذة كعب الأحبار وابو هريرة قالوا هذا.

● 3 - متى يكون العرض على النار

﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَـٰفِرِينَ عَرْضًا﴾ ( الكهف 100 ) ﴿وَتَرَىٰهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَـٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىٍّ ۗ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِى عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ ( الشورى 45 ) ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ ( الأحقاف 20 ) ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ( الأحقاف 34 )

يُعرَضُ الكافرون على النار يوم القيامة ولا عذاب قبلها. ليس هناك عرض قبل الحساب. ليس هناك إشارة أن الشخص يعرف مكانه يوم القيامة قبل الحساب . لو كان ذلك لما تخاصموا يوم القيامة ولما جادلوا ولما حاولوا التنصل من مسؤولياتهم وتجد كل نفس تجادل عن نفسها. بل إنهم بَقُوا على جهلهم بيوم القيامة حتى لقوه

﴿قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَـٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ﴾ ( يس 52 )

﴿فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَٰحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ ( 19 ) • وَقَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ( 20 ) • هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ( 21 ) • ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَأَزْوَٰجَهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ( 22 ) • مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْجَحِيمِ ( 23 ) • وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ ( 24 ) • مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ( 25 ) • بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ( 26 ) • وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ( 27 ) • قَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ ( 28 ) • قَالُوا۟ بَل لَّمْ تَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ( 29 ) • وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍۭ ۖ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَـٰغِينَ ( 30 ) • فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ ۖ إِنَّا لَذَآئِقُونَ ( 31 ) • فَأَغْوَيْنَـٰكُمْ إِنَّا كُنَّا غَـٰوِينَ ( 32 ) • فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ( 33 ) • إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ ( 34 ) • ﴾ ( الصافات الآيات 19-34 )

وكما قلت فآيات وصف يوم القيامة من أكثر ما ذكر في القرآن. في هذا المقطع من سورة الصافات يتفاجؤون بيوم الدين ( قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ) إنهم لا يتفاجئون فقط بل يظنون أن الأمر مفاجئ لهم كأنهم بُعِثوا من مرقد أو منام. أو كأنهم لم يلبثوا إلا ساعة ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾ ( يونس 45 ) أنظروا إلى المشهد. يتعارفون بينهم كأنهم لم يلبثوا إلا ساعة بين الموت والبعث. ولو كانوا يُعذبون لآلاف السنين في القبور ما كان المشهد هكذا. ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا۟ غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا۟ يُؤْفَكُونَ﴾ ( الروم 55 ) يقسمون ما لبثوا غير ساعة في الدنيا. حين يرون أن الحياة الحقيقية قد بدأت بالفعل يوم القيامة وليس قبلها. وليس لآلاف السنين في القبور

بالله عليكم إن الإعتقاد بعذاب القبر ولو كان فقط نفسيا كما يقول بعض المتدبرين القرآنيين . ينسب العبث لله عز وجل سبحانه وتعالى . كل شيء عنه بحكمة وبمنطق. كيف يعذبهم الله قبل أن يحاسبهم ويقيم الحجة عليهم. ولو كان الناس يعرفون مصيرهم عند الموت أو في القبر فسيصبح حساب يوم القيامة شكليا ومجرد كوميديا سوداء حاشا لله وسبحانه وتعالى عن ذلك.

والآن بعد أن أثبتنا أنه لا حساب إلا يوم القيامة ولا توفية للأعمال إلا يوم الحساب . نأتي للآيات المتشابهة التي يحتجون بها. وصراحة لو كانوا حقا يصدقون القرآن ويتدبرونه في شموليته . فالقارئ لهذه الآيات التي ذكرنا تكفيه أن يتخلى عن عقيدة عذاب القبر حتى ولو لم نعطيه تدبرنا للآيات التي يعتمد عليها التراثيون. لأننا نكرر دائما أنهم يقسمون القرآن ويتخذونه عضين. فيجب دائما إستحضار المنظومة القرآنية في شموليتها. وتكرر معنى معين في عشرات العشرات من الآيات يجعله مباشرة ضمن محكم القرآن. وحين نجد آية أو آيتين تبدو للوهلة الأولى أنها تخالف ما إتفقت عليه كل الآيات الأخرى . يجعلنا بالضرورة نفهمها أنها من متشابه القرآن . وقد بينا من قبل أن منهجية تدبر القرآن هي أن كل آية متشابهة تكون لها بالضرورة آية مُحْكَمَةٌ تَحْكُمُها.

الآية الأساسية عندهم:

﴿فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُوا۟ ۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرْعَوْنَ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ ( 45 ) • ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ ( 46 ) • ﴾ ( غافر الآيات 45-46 )

يقولون أنها تُثبت عذاب القبر. ولا ندري من أين جاءو بكلمة قبر في الآية. الآية تقول أنهم يُعرضون على النار في الصباح والمساء. فهل في القبر صباح ومساء. لقد بينا من قبل أن الناس لا يشعرون بمرور الزمن بين الوفاة والبعث ولقد بينا من قبل أن العرض على نار جهنم يكون يوم القيامة . إنهم لا يتدبرون القرآن. فالآية تتكلم عن أمرين الأول. أن كل الظالمين يعرضون على النار وآل فرعون منهم . فالجزء الأول وإن كان يتكلم عن آل فرعون فهو يتكلم عن شيء يشترك فيه كل الظالمين وهو أنه كل من مات كافرا سيحيق به سوء العذاب وسيعرض على النار غدوا وعشيا الى الأبد. لكن ما الفرق بين باقي الكفار وبين آل فرعون. الجواب هو أن آل فرعون سيُدْخَلون أشد العذاب. وهكذا فهمنا هذه الآية وفق المنظومة القرآنية ووفق عشرات بل ربما مئات الآيات التي تصف العذاب حصرا في يوم القيامة .

الآية الثانية: وهي كذلك لا تذكر كلمة القبر من قريب أو بعيد

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِى غَمَرَٰتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓا۟ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوٓا۟ أَنفُسَكُمُ ۖ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهِۦ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ( الأنعام 93 ) لكنهم بسبب عماهم وعادتهم في تقسيم القرآن . لا يُحَملون انفسهم عناء قرآءة الآية في سياقها. لقد تأكد لي بالملموس أن أكبر سلاح يستعمله إبليس بيد التراثيين هو تقسيم القرآن وعضوضته. وهاهي الآية الموالية توضح الأمر

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَـٰٓؤُا۟ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ( الأنعام 94 )

لقد ظن التراثيون أن غمرات الموت مثل سكرات الموت. لأنهم لا يعترفون أن كلمات القرآن دقيقة جدا . علينا أن نفرق بين حضر الموت وجاء الموت وأتى الموت. حضر الموت هي المراحل النهائية لكنها قبل سكرات الموت. يكون الإنسان في كامل قواه العقليه. يستطيع أن يوصي. كما في آية الوصية. ويعقوب حضره الموت ولازال يوصي أبناءه. أما سكرات الموت فهي المرحلة بين الوعي واللاوعي الذي يأتي مع الموت وغمرات الموت هي المرحلة بين اللاوعي بسبب الموت والوعي الذي يكون بعد البعث من الموت . فالملائكة سيكونون واقفين على قبور الناس. فالظالمون يبشرونهم بالعذاب. ويبسطون إليهم أيديهم ليخرجوا أنفسهم من قبورهم ويذهبوا الى المحشر . والطيبون يطمئنونهم منذ اللحظة الأولى . ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ( الأنبياء 103 ) يخبرونهم أنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وشتان بين الموقفين في ذلك اليوم. المجرمون لا بشرى لهم منذ اللحظة الأولى. منذ أن تقول لهم الملائكة أخرجوا أنفسكم من القبور إلى أن يُلقَوا في النار وبئس المصير.

أما كلمة "اليوم" فالمتدبر للقرآن يكتشف أنها دائما حين تقرن بكلمة الجزاء والحساب لا تدل إلا على شيئ واحد وهو اليوم الآخر .

﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ ( الأعراف 51 ) ﴿ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ ( الإسراء 14 ) ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ۖ لَـٰكِنِ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ ( مريم 38 ) ﴿لَا تَجْـَٔرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ﴾ ( المؤمنون 65 ) ﴿إِنِّى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾ ( المؤمنون 111 ) ﴿لَّا تَدْعُوا۟ ٱلْيَوْمَ ثُبُورًا وَٰحِدًا وَٱدْعُوا۟ ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ ( الفرقان 14 ) ﴿فَٱلْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ ( سبأ 42 ) ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ( 10 ) • فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلْيَوْمِ وَلَقَّىٰهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ( 11 ) • وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُوا۟ جَنَّةً وَحَرِيرًا ( 12 ) • ﴾ ( الإنسان الآيات 10-12 )

وغيرها كثير. اليوم حين يقرن بالعذاب والحساب والجزاء هو اليوم الآخر . يوم القيامة هذه القواعد القرآنية ( patterns ) لا تظهر لهم ولا يكتشفها إلا من كان يتدبر القرآن. وصدق الله العظيم حين يقول

﴿إِنَّهُۥ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ ( 77 ) • فِى كِتَـٰبٍ مَّكْنُونٍ ( 78 ) • لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُطَهَّرُونَ ( 79 ) • تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ( 80 ) • ﴾ ( الواقعة الآيات 77-80 ) لا يصل إلى كنهه ومعانيه وأسراره إلا المطهرون من الطاغوت. وفي الأخير وقبل أن ننتهي من هذه الآية. لاحظوا أن الملائكة تأمر الظالمين أن يُخرِجوا أنفسهم. فهل حين الموت. الملائكة هي التي تُخْرِج الأنفس أم أنها تطلب من الناس أن يُخرِجوا أنفسهم.

    آيات العذاب الأدنى

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 21 ) • وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ ۚ إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ( 22 ) • ﴾ ( السجدة الآيات 21-22 ) هذه الآية لا علاقة لها بعذاب القبر. وأصلا علماء التراث مختلفون فيها ومنهم من يقول أن العذاب الأدنى هو عذاب الدنيا. أما إحتجاجهم أن من تبعيضية، بمعنى أن بعضه هو عذاب الدنيا والبعض الآخر هو عذاب القبر. فالجواب أنه لو حذفت "من" لفُهِمَ من الآية ان العذاب الأدنى نوع واحد مثله مثل العذاب الأكبر الذي هو واحد وهو عذاب الحريق. إذن فبوجود "مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ" يفهم منه التنوع فعذابات الدنيا كثيرة ومتنوعة وكل قوم ذاقو نوعا واحدا أو بعضا من هذه العذابات. ولا يوجد قوم أذاقهم الله كل أنواع العذاب في الدنيا. حتى قوم فرعون ذاقوا فقط 9 أنواع من العذاب. ولو حذفت من لفهمنا كذلك أن كل الكفار ذاقوا كل العذاب الأدنى بكل أشكاله وكما أسلفنا فإن هذا لا يقع.

﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ( الطور 47 ) يحتجون بهذه الآية كذلك . وهم بهذا يحاولون بأي وسيلة إثبات ما لا يمكن إثباته. فهذه أيضا تتكلم عن عذابات الدنيا التي غالبا ما لا يعلم المصاب بها أنها تذكرة من الله لعلهم يرجعون .

﴿مِّمَّا خَطِيٓـَٔـٰتِهِمْ أُغْرِقُوا۟ فَأُدْخِلُوا۟ نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا۟ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَارًا ( 25 ) • وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى ٱلْأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّارًا ( 26 ) • ﴾ ( نوح الآيات 25-26 )

كذلك هذه الآية يعتقدون أن قوم نوح أدخلوا النار مباشرة بعد موتهم دون حساب . ضاربين عرض الحائط عشرات الآيات التي تقول أن العذاب يكون يوم القيامة بعد الحساب . وكالعادة يضيفون كلمة القبر من كيسهم. فهل الآية قالت فأدخلوا نارا في قبورهم. مشكلتهم أنهم ينظرون للقرآن بعقل الإنسان الكائن الزمكاني. فيهفم فأدخلوا نارا كأن الفاء زمانها وقت قوم نوح. بل هي بمعنى أن الزمان لا يمر عليهم في البرزخ ولا شيء يمنعهم من دخول النار حتى الزمان الذي نراه طويلا نحن الذين أتينا بعدهم بقرون. وبالمناسبة القرآن يستعمل هذا كثيرا. بالمرور مباشرة من زمن الدنيا إلى الآخرة لكي ينبهنا أن هذه الحياة الدنيا قصيرة جدا ولا تستحق شيئا. ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ ۖ وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَـٰهُمْ جَمْعًا﴾ ( الكهف 99 ) فهل يفهم أحد منا أنه مباشرة بعد قصة ذو القرنين نفخ في الصور؟

الآيات القرآنية في بعض الحالات تخلط الأزمنة ﴿يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْرًا ( 9 ) • وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْرًا ( 10 ) • فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ( 11 ) • ٱلَّذِينَ هُمْ فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ( 12 ) • يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ( 13 ) • هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ( 14 ) • ﴾ ( الطور الآيات 9-14 )

أحداث تصف يوم القيامة . ثم تصف الكافرين الذين لا زالوا يلعبون ثم تصفهم أنهم يُدَعُّون إلى النا دعّا. وغيرها كثير. لكن المتدبر للقرآن لا تختلط عليه ولا يستخرج منها إستناجات شاذة .

في النهاية تبين لنا أن كل آيات عذاب القبر كما يقولون ليس فيها أبدا نص صريح عن عذاب القبر، وحين نفهمها وفق المنظومة القرآنية نجدها تتكلم إما عن عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة. وكما أسلفنا فليس هناك عذاب في الآخرة إلا بعد الحساب.

تجد   هنا   مزيدا من الدروس القرآنية —