درس: كيف يكون الإسلام عالميا

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين كل المسلمين يعتقدون أن الإسلام عالمي، وكلهم يتصورون أن كل البشر سيجتمعون تحت راية الإسلام. وهذا الإعتقاد صحيح ونابع من عشرات الآيات التي تخاطب الناس جميعا في القرآن. لكن كالعادة يأتي العقل التراثي السلفي ويشوه الفهم ويسطحه ويتصور أن كل البشرية ستجتمع يوما تحت دولة إسلامية وخليفة واحد. وملة واحدة . إن إختلاف الناس من آيات الله ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَٰنِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّلْعَـٰلِمِينَ﴾ ( الروم 22 ) وإختلاف الناس من سنن الله في هذا الكون وسنن الله لا تتبدل. ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَٰحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 ) • إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 119 ) • ﴾ ( هود الآيات 118-119 ) إذا فكيف يمكن فهم عالمية الإسلام وفق هذا الإختلاف الذي لن يزول وكيف يمكن فهم آيات تبشر الناس الصالحين أنهم سيرثون الأرض ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ﴾ ( الأنبياء 105 ) علما أن الناس لا يزالون مختلفين إلى يوم القيامة

إن هذا دليل آخر على أن فهم الإسلام وفق التصور التراثي ووفق المصطلحات المتعارف عليها فهم خاطئ، لأن الإسلام تعرض للتحريف منذ العهد النبوي حتى قبل وفاة الرسول . والرسول كان يحزنه هذا. وعوض أن يكون دين الله بالتعريف القرآني، أصبح ملة بمفاهيم محلية لقوم محددين. إذ لا يمكن تصور أن البشر كلهم يوما ما سيقومون بالصلوات الخمس التراثية . فنحن هنا أمام إختيارين: إما أن نتشبت بالكثير من الإضافات التي تم إلصاقها بدين الله وبالتالي يصبح من المستحيل أن تجتمع عليه البشرية كلها وتصبح دعوة الله للناس جميعا بالإلتفاف حول الدين ولا يتفرقوا فيه دعوة مستحيلة حاشا لله وسبحانه وتعالى أن يطلب منا المستحيل. وإما أن نعترف ان الدين بنسخته الحاليه فيه الكثير من الصفات المحلية وغير العالمية وأنه يستحيل أن تجتمع حوله البشرية وبالتالي فهو ليس ذلك الدين الذي يتكلم عنه الله . هل نملك من الشجاعة لإعادة البحث عن دين الله وتنقيته من التراث. هل نستطيع أن نمارس شيئا قليلا من نقد الذات. الأمر سهل جدا . نبدأ فقط بإعادة تصحيح مصطلحات أساسية مثل التقوى والإيمان والإسلام والشرك والكفر. إن إستطعنا أن نصحح هذه الكلمات الخمسة في عقولنا ونعيد لها معانيها التي سلبها منها إبليس قد نستطيع أن نعيد للإسلام عالميته المسلوبة. لقد بدأت هذا في درس سابق عن التقوى . وأنها سلوك إجتماعي عالمي يتصف به جميع الناس على اختلاف مذاهبهم ومللهم ومجتمعاتهم.

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ( النساء 1 )

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ ( الحج 1 )

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ ( لقمان 33 )

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ( الحجرات 13 )

إن التقوى صفة يتصف بها جميع الناس وليست حكرا على أتباع النبي الخاتم الذين يقولون أنهم مسلمين أو النصارى أو اليهود أو أي شعب من شعوب العالم. ولو لم تكن كذلك لما دعا الله الناس أجمعين أن يتقوا الله. ولما قال للناس كلهم أن أكرمهم هم أكثرهم تقوى.

وحين البحث عن التقوى في القرآن الكريم نجدها واضحة ومعرفة تعريفا سهلا وبحق يمكن أن يتصف بها كل الناس، وهي كف الأذى والعدوان ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَـٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا۟ ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا۟ ۘ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ ( المائدة 2 )

التقوى هي ضد العدوان كما أن البر هو ضد الإثم. فهل يستطيع الواحد منا أن ينزع فهمه للتقوى حسب المنظور الفقهي المذهبي الضيق. ويفسح المجال للمفهوم القرآني الواسع الذي يجعل التقوى في متناول كل الناس وأن أكرمهم أتقاهم مهما سمى نفسه أو مذهبه أو دينه .

والله إن دين الله سهل المنال ولا يختلف فيه اثنان لو فهم حق الفهم بعيدا عن التمذهب والتحزب . ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ( البقرة 21 ) عبادة الله كذلك يمكن للناس جميعا أن يقوموا بها فقط لو فهموها خارج إطار الإسلام التراثي الضيق. الذي جعل عبادة الله طقوسا محددة إخترعها الأولون ولهذا يقول الله تعالى أن دينه بسيط جدا : ﴿وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلْقَيِّمَةِ﴾ ( البينة 5 ) هذه الآية لسان حالها أن الله لم يطلب منهم شيئا كبيرا أو ثقيلا . بل أمر سهل جدا . حقا ما أمروا إلا ليعبدو الله . وكأن الله يقول لنا ، ما أمرتكم إلا بشيء سهل جدا عليكم جعلته أصلا في فطرتكم . ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ( الروم 30 )

وعبادة الله أمر سهل جدا جدا حسب القرآن ولا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بالطقوسيات التي يسميها التراثيون عبادات ( الصلاة الصوم الحج ) وذلك لأن هذه كذلك أفرغها إبليس من معانيها الحقيقية وحولها إلى طقوس وحركات . لكن قد تصبح الجرعة غير سائغة ويصعب إبتلاعها على الناس. فلو قلنا لهم أن أغلب معاني القرآن وركائز الدين زورها إبليس لما صدقونا ولركنوا إلى ما وجدوا عليه آباءهم. لأنه سيصعب عليهم أن يكون كل شيئ تم تغييره. وسيروننا حمقى أو مبتدعين ضالين. أو لربما يروننا معاول هدم تحارب الدين . ونحن في الواقع لا نهدم إلا حائط التراث المتسخ الذي يغلف على البناء الذهبي الخفي، ولبناته البراقة المنيرة.

تجد   هنا   مزيدا من الدروس القرآنية —