درس: كتاب الطهارة
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين.
من دلائل ضلالة الأمة وتلبيس إبليس عليها حتى فقدت بوصلة الطريق المستقيم. وجود مجلدات في المكتبة الإسلامية حول الطهارة . ولو كانوا يعنون بالطهارة طهارة القلوب وتزكية النفس لكان هذا أمرا جيدا . ولكان شيئا محمودا. لكنها غير ذلك بل تجعل عملية الغسل عملية أشبه بالتعويذة السحرية. لها اركانها وواجباتها ومستحباتها ووو.
وقد يسأل سائل من أين تستمد تلك الكتب والمصنفات شرعيتها وما الذي شجعهم على كتابتها. أقولها بكل صراحة إنه كتاب البخاري. الذي جمع فيه صاحبه كل الكتب التي أتت على باله إلا الكتب التي ذكرها الله في كتابه. فلا نجد في البخاري كتاب العدل ولا كتاب العقل ولا كتاب الشهادة لله ولا كتاب حرية الإعتقاد ولا كتاب الصدق ... لكن نجد كتاب الطهارة وكتاب الحيض وكتاب التيمم ....
وهنا نجد أنفسنا مضطرين أن نتكلم عن الغسل الذي سموه الوضوء كعادة جنود إبليس في تسمية الأمور بمسميات أخرى .
لكن قبل ذلك علينا أن نقدم بمقدمتين .
المقدمة الأولى. علينا أن نستحضر دائما أن الله سبحانه وتعالى ورب العالمين لم يجعل أبدا في دينه أي تشريع ليس فيه فائدة مجتمعية قبل أن تكون فردية. ولم يجعل أي تشريع في الدين يكون فقط طقسا دينيا ليس له ركيزة عقلية أو منطقية وليس فيه أي فائدة للفرد أو المجتمع.
إن الباحث في القرآن يعلم هذا جيدا. فمثال إبراهيم عليه السلام واضح جدا في إستعمال المنهج التجريبي في كل مناحي الحياة وليس هذا معرض الحديث عن ملة إبراهيم عليه السلام.
إذا استقر في ذهننا هذا. ونحن نعلم الكم الهائل من تكرار الدعوة إلى استعمال العقل في القرآن الكريم. فهل يُعقَلُ أن نظن أن دين الله فيه طقوسيات ورمزيات. هل يُعقَلُ أن يكون الحل عند عدم توفر الماء أن نمرغ أيدينا في التراب . ما الغاية من هذا. على المستوى الفردي والجماعي. في هذا الدرس سنجيب عن هذا السؤال.
المقدمة الثانية وهي أن الصلاة اليومية هي مجالس الذكر التي تقام في الصباح والمساء وهما صلاتي الفجر والعشاء. وهذه الصلوات هي التي كان يقيمها رسول الله لقومه. يعلمهم فيها الدين ويتلوا عليهم القرآن وبها تُزَكَّى أنفسهم وتطمئن قلوبهم ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ( التوبة 103 )
يقول الله تعالى :
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَٱطَّهَّرُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ( المائدة 6 )
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ( النساء 43 )
هذه الآيات على الرغم من وضوحها وبساطتها. فإن العدو المبين للبشرية ومن حقده على بني آدم جعلهم يخرجونها عن معانيها الأساسية.
الغاية الأولى من الغسل، ليس طقسا معينا من أجل عبادة معينة، وليس أمرا من أجل الفرد نفسه وغن كان له فيه الخير. بل من أجل المجتمع.
حين يذهب الشخص للمسجد للحضور إلى مجلس الصلاة. عليه أن يتوفر فيه اقل حالات النظافة التي بها لا يؤذي الجالسين بجانبه على الأقل. وإلا فالأفضل أن يكون في كامل زينته ونظافته.﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ ( الأعراف 31 )
إذا فغسل الأعضاء واضح وليس طقسا دينيا لا تصلح الصلاة إلا إذا تم كما أمر الله بالضبط أي أن من غسل يديه قبل وجهه فهو ليس مغتسلا. ومن زاد على ذلك فغسل كل جسمه ولبس أحسن ما عنده فلا بأس، ومن غسل بالصابون فلا بأس.
أما موانع حضور مجلس الصلاة فهي:
-- الجنب : هذه الكلمة تأتي في القرآن الكريم بمعنى البعد القليل.
﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِۦ قُصِّيهِ ۖ فَبَصُرَتْ بِهِۦ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ( القصص 11 ) فأخت موسى كانت على مسافة لا هي قريبة ولا بعيدة . تراهم من حيث لا يرونها.
﴿وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ ( النساء 36 )
الجار الجنب كذلك يبعد عنك مسافة متوسطة لا هي قريبة فيصبح هو الصاحب بالجنب ولا البعيدة لا يكون جارا أصلا.
إذا فالجنب هي الحالة التي تجعلك لا تستطيع أن تقترب من الناس فتتجنبهم ويتجنبونك. كالجزار في لباسه والحداد والصباغ وكل ما يجعل الناس يتجنبونك ويتأذون بالقرب منك. هذا عليه أن يتطهر قبل الحضور إلى مجلس الصلاة.
والجنب لا علاقة له بملامسة النساء. فملامسة النساء سماها الله هكذا. وليست هي الجنابة التي نجدها في كتب التراث.
ومن موانع الحضور إلى مجلس الصلاة دون غسل كذلك الحضور من الغائط ، ومرة أخرى . الغائط لا علاقة له بالعملية البيولوجية المعروفة. بل الغائط هو حقل الزراعة. فالفلاح كذلك مثله مثل الجنب ، عليه أن يغتسل من الأوحال والغبار الذي يلتصق به بعد العمل في الحقل. قبل أن يأتي إلى المسجد ومجلس الصلاة. أما عملية إفراغ الأمعاء فلا يختلف إثنان على الغسل بعدها وهذا من الفطرة التي لا تحتاج وحيا إلهيا للقيام بها.
إذا فكل ما يجعل الناس يتأدون من جلوسك بجانبهم مثل الجنب و الغائط وملامسة النساء إذا التصق بالشخص طيب المرأة أو أي روائح من المعاشرة مع الزوجة. فعليه أن يغتسل قبل أن يحضر إلى الصلاة.
أما إن كانت هناك حالة تمنع الإغتسال كعدم توفر الماء في حالة السفر أو حتى في الحضر . أو المرض فما الذي سيفعله الذي يريد أن يحضر لمجلس الصلاة. وكيف يمنع الأذى عن الناس الذين سيجلس بالقرب منهم وسيصافحهم ويتكلم معهم.
بالله عليكم مل تمريغ يدك بالتراب ومسح وجهك بها سيفعل هذا.
بالطبع لو كان الأمر فقط طقسا دينيا . وتشريعا إلهيا ليس له أي مسوغ عقلي سوى أنه أمر السماء فقد تأخذه وتسد عقلك كما قالت لنا الأحاديث التي تفعل هذا بالضبط. ( لو كان الدين بالعقل لكان مسح الخف من الأسفل أولى ) . وهذا كله من تحريف إبليس وجنوده.
الجواب هو أن تتيم صعيدا طيبا . بلغة العصر أن ترش بعض العطر على نفسك. يقول الله تعالى : فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ . منه وليس به. وليس رمزا للمسح على حجر أصم. فتفكروا يا أولي الألباب. فكيف ستمسح بوجهك من الحجر الأصم.
هل الصعيد هو التراب أم ما يصعد عن الأرض من نبات وشجر.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ( 7 ) • وَإِنَّا لَجَـٰعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا ( 8 ) • ﴾ ( الكهف الآيات 7-8 )
جعل الله ما على الأرض زينة لها وما تتزين الأرض إلا بما عليها من أشجار ونبات. ثم يصبح ما عليها صعيدا جرزا. فصعيد أيا يكن معناها صفة لما على الأرض وليس الأرض.
﴿فَعَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ( الكهف 40 )
في هذه الآية كذلك يصف الله الجنة بما فيها من نباتات وأشجار أنها ستصبح صعيدا زلقا. وليس أرض الجنة والله أعلم.
وحتى لو فهمنا أن الصعيد قد تحمل المعنيين ( ما علا الأرض من نبات وكذلك ما علاها من الحجر والتراب ) فلا يصح أن نظن أن تيمموا صعيدا طيبا هو التمسح بالتراب إن فهمنا الآية في سياقها الإجتماعي وأن الصلاة تكون جماعة والهدف هو عدم أذية الجالسين بالروائح الكريهة أو الأوساخ.
بالطبع لن يفهم هذا من يعتقد بالصلاة الحركية ومن يظن أن الدين والعقل لا يلتقيان. وأن الله على الرغم من أنه سبحانه كرر كلمة يعقلون 22 مرة و يتفكرون 17 مرة في كتابه العزيز فإنه يأمرنا أن نمسح وجوهنا بأيدينا بعد أن نمسح بها حجرا أملس وأن هذا يقوم مقام الغسل .
بالطبع لن يفهم هذا من لم يدرس القرآن ويعلم أن لبه هو العمل الإجتماعي وأن الصلاة الحقيقية هي إطعام المسكين والإعتناء باليتيم.
تجد هنا مزيدا من الدروس القرآنية —