درس: الزكاة والتزكي

درس: الزكاة والتزكي

● بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين. كعادة إبليس في تزوير كلمات القرآن في العقل الجمعي المسلم، وحيث أنه لم تسلم كلمة من كلمات القرآن من إبليس إلا وحرفها عن معناها. نجد أن الزكاة والتزكية عند أغلب المسلمين مرتبطة مباشرة بإعطاء الصدقات. وتجد في كتبهم زكاة المال والإبل والحبوب وغيرها. سنجد بدراستنا لكتاب الله أن إعطاء الصدقات ليس إلا وسيلة للزكاة وليس هو الزكاة. على القارئ الكريم أن يستحضر دائما أن كلمات القرآن دقيقة جدا ومن العدوان على الحقيقة إدعاء غير ذلك. لكن التراثيين لا يرون هذا، فالنبي هو الرسول عندهم والزكاة هي الصدقة .فالله المستعان. سنبحث في كتاب الله عن الزكاة ومشتقاتها وسنجد أنها تدور في فلك من المعاني الإصلاح والتنمية والتحسين .

﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ ( البقرة 129 )

يزكيهم أي يُحَسِّنُ من حالهم وينميهم ويصلح أحوالهم وأنفسهم.

﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوْا۟ بَيْنَهُم بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ( البقرة 232 )

أزكى: أحسن وأفضل وأصلح ، تماما مثل طعام أصحاب الكهف

﴿وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَـٰهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا۟ بَيْنَهُمْ ۚ قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۚ قَالُوا۟ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَٱبْعَثُوٓا۟ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ ( الكهف 19 )

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ( التوبة 103 )

هنا في هذه الآية تفريق صريح بين الصدقة وبين التزكية والزكاة، فإعطاء الصدقة يُزَكّي ويُطهر، وبالفعل هذا ما يحصل بالظبط، تصلح النفس وتتحسن وتزداد رحمة بإعطاء الصدقة للفقراء والمساكين.

﴿فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَـٰمًا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةًۢ بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْـًٔا نُّكْرًا﴾ ( الكهف 74 )

النفس الزكية: الطاهرة والحسنة والنقية من ملوثات الدنيا ، لأنها لا تزال نفس طفل لا يعرف الحسد ولا الظلم وغير ذلك من ملوثات النفس. ﴿فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَوٰةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ ( الكهف 81 )

سيبدلهما ربهما ولدا أصلح لهما من الأول وأرحم وأفضل.

﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا ( 13 ) • وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا ( 14 ) • ﴾ ( مريم الآيات 13-14 )

كذلك ، يحيى كان زكاة لوالديه ومن حوله، كان أفضل وأصلح وأطهر .

﴿قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾ ( مريم 19 )

عيسى عليه السلام، كان مُطهَّرا وصالحا و بنفسه، وكان سببا في إصلاح ونماء وتطهير من حوله.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ( النور 21 )

الله يُزَكّي من يشاء، يُصلح ويُحَسِّنُ أحوال العباد، ويجعلهم في أفضل ما يمكن

﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فِيهَآ أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرْجِعُوا۟ فَٱرْجِعُوا۟ ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ( النور 28 ) أفضل وأحسن لكم ألا تدخلوا بيوتا بدون إستئذان.

﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا۟ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ وَيَحْفَظُوا۟ فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ ( النور 30 )

أفضل لهم ولحياتهم وسعادتهم نماءهم النفسي وأطهر لهم وأحسن أن يحفظوا فروجهم .

﴿ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ( 17 ) • فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ ( 18 ) • وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ ( 19 ) • ﴾ ( النازعات الآيات 17-19 ) موسى لم يكن يطلب من فرعون أن يعطي المال، بل أن يُطَهِّرَ نفسه من الطغيان والظلم، ويُحَسِّن خلقه.

بعد كل هذه الآيات وغيرها الكثير، نستنتج أن تَزْكية النفس هو تطهيرها وتحسينها وتنميتها بالأفعال الحسنة وتنقيتها من الأمراض النفسية كالحسد والظلم والإفساد في الأرض، ولهذا فإن اسمى غاية من غايات الدين هو أن نُزَكِّيَ أنفسنا.

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّىٰهَا ( 7 ) • فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا ( 8 ) • قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ( 9 ) • وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا ( 10 ) • ﴾ ( الشمس الآيات 7-10 )

﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلْأَتْقَى ( 17 ) • ٱلَّذِى يُؤْتِى مَالَهُۥ يَتَزَكَّىٰ ( 18 ) • وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰٓ ( 19 ) • إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلْأَعْلَىٰ ( 20 ) • وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ ( 21 ) • ﴾ ( الليل الآيات 17-21 )

إيتاء المال للفقراء والمساكين من أقصر الطرق لطهير النفس والحصول على التوازن النفسي والسعادة في الدنيا، والأجر في الآخرة .

إن المعنى الحقيقي لإيتاء الزكاة، الذي يكون دائما مقترنا بإقامة الصلاة، هو ببساطة تنمية النفس وتطهيرها. وإعطاء المال والصدقات ما هو إلا أحد الوسائل التي نطهر به أنفسنا. والله سبحانه وتعالى لم يحدد مقدار هذه الصدقات في القرآن، لأن إيتاء الصدقات فعل ذاتي، كل حسب إمكانياته، لكنه من أكثر الأعمال التي يحبها الله هي إطعام المسكين، ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُۥ مُسْتَطِيرًا ( 7 ) • وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ( 8 ) • إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا ( 9 ) • ﴾ ( الإنسان الآيات 7-9 )

﴿مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ ( 42 ) • قَالُوا۟ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ ( 43 ) • وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ ( 44 ) • ﴾ ( المدثر الآيات 42-44 ) ﴿إِلَّا ٱلْمُصَلِّينَ ( 22 ) • ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَآئِمُونَ ( 23 ) • وَٱلَّذِينَ فِىٓ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ ( 24 ) • لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ ( 25 ) • وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ ( 26 ) • ﴾ ( المعارج الآيات 22-26 )

إطعام الطعام طريق سريع للنجاة من النار ودخول الجنة.

لقد قلتها وأقولها دائما ، إن الدين كله إجتماعي، لتحسين حياة الأفراد والمجتمعات ، وكل أوامر الله من صلاة وزكاة وحج وغيرها هي أعمال إجتماعية حين نتدبرها من القرآن . وقد بينت هذا في مقال سابق عنوانه ما يحبه الله وما لا يحبه سهل جدا فقط إبحث في القرآن : إن الله يحب، إن الله لا يحب إن الله رب العالمين غني عن العالمين، أصبحت عندي قناعة أنه ليس في أوامر الله أي شيء له سبحانه كما صور لنا التراث، نصلي لله من أجل الجنة، نصوم لله من أجل الجنة . كل هذه أفهام التراث بعيدة كل البعد عن الحقيقة. بل هي أعمال إجتماعية للنهوض بالمجتمع وإصلاحه .

تجد   هنا   مزيدا من الدروس القرآنية —


Leave a comment

5000 characters max.