لقاءات رمضانية 2026 – الحلقة 9: عقوبة الظلم والركون للظالمين

ما وراء الركام: هل الخراب قدرٌ أم قانون؟ حين نحدق في صور المدن العربية التي تحولت إلى أكوام من الحجارة والرماد، ينقبض القلب بتساؤل مرير: أين الله من كل هذا؟ هل هذه الكوارث "غضب إلهي" عشوائي، أم أنها نتيجة مباشرة لتعطيل قوانين اجتماعية صارمة؟ الحقيقة الصادمة هي أن الله لا يهلك المجتمعات بقرار "شخصي" أو انفعالي، بل عبر "سنن" وقوانين تشبه في دقتها قوانين الفيزياء. إن هذا الدمار هو النتيجة الحتمية لمعادلة "الظلم" و"الركون للظالمين"، وهي قوانين لا تحابي أحداً، حتى لو كان من بين الركام "صالحون" يكتفون بالصمت. المفاجأة الكبرى: النار أُعدت للظالمين.. لا للكافرين فقط! ثمة مفهوم تقليدي تغلغل في وعينا الجمعي يربط النار بـ "الكفر العقدي" حصراً، لكن القراءة التدبرية لآيات الكتاب تنسف هذا الحصر. المعيار الحقيقي للحساب الإلهي هو "العمل" و"النتيجة الملموسة"، وليس مجرد الأفكار التي تسكن الرؤوس؛ فالله يحاسب على ما يُستنسخ من أعمال، أما الأفكار التي لا تترجم لواقع فلا تسجيل عليها. بالتأمل في سورة الكهف، نجد حقيقة صادمة في قوله: "وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا". هنا، يُمنح الإنسان حرية الاعتقاد، لكن التحذير من النار ارتبط بـ "الظلم" لا بغيره. "لا تهم عقائدك. ولكن عليك أن تعلم أن النار معدة للظالمين سواء هؤلاء الظالمين كانوا من المؤمنين أو من الكفار، هذا لا يهم أبدا." فلسفة "القرية" و"المدينة": لماذا يهلك المجتمع الأحادي؟ لفهم أسباب الهلاك، يجب أن ندرك الفرق الجوهري بين مفهومي "القرية" و"المدينة" في الخطاب القرآني، كما أشار إليها الدكتور محمد شحرور رحمه الله. "القرية" ليست مجرد تجمع سكني صغير، بل هي "المجتمع الأحادي" الذي يرفض الآخر، ويقمع التعددية، ويصادر الحريات. هذا الانغلاق هو البيئة الخصبة للظلم، ولذلك ارتبط الهلاك في القرآن دائماً بـ "القرى". أما "المدينة" فهي النموذج التعددي الذي يقبل الاختلاف، وهي بمثابة الحصن الاجتماعي الذي يحمي الشعوب من الانهيار. الهلاك يقع عندما تتحول المجتمعات إلى "قرى" فكرية ضيقة تخنق حرية الفكر وتكرس الاستبداد. فخ "الشخص الصالح" وقوانين الفيزياء الاجتماعية لماذا يدفع الأطفال والأبرياء ثمن دمار مدنهم؟ الإجابة تكمن في الفرق بين "الصالح" و"المصلح". الإنسان الصالح هو فرد إيجابي في ذاته لكنه "سلبي" تجاه مجتمعه، يكتفي بصلاته وصيامه بينما يسود الظلم حوله. أما "المصلح" فهو الفاعل الذي يواجه الفساد الاجتماعي. إن قوانين الله (السنن) لا تفرق بين مؤمن وعاصٍ عند وقوع الكارثة؛ فمن يقفز من النافذة سيهلك بقانون الجاذبية بغض النظر عن عقيدته. وبالمثل، فإن المجتمع الذي يغيب فيه "المصلحون" ويسود فيه الظلم، ينهار كلياً بحكم قوانين التطور الاجتماعي. يؤكد القرآن هذه الحقيقة في قوله: "وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ". النجاة الجماعية مشروطة بـ "الإصلاح" الحركي، لا بـ "الصلاح" السكوني المنعزل. "وقودها الناس والحجارة": هل "الجحيم" هو دمار المدن المعاصرة؟ هناك رؤية ثورية تقرأ مفهوم "النار" في القرآن كواقع دنيوي نعيشه الآن، وليس مجرد وعد أخروي. في الصراعات الطائفية والحروب الأهلية، نرى تجسداً حياً لقوله تعالى: "نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ". الحجارة هنا هي ركام البيوت التي تُهدم فوق رؤوس أصحابها، كما نرى اليوم في المشهد السوري وغيره من بؤر النزاع. إن النار الأخروية لا تحتاج إلى "حجارة" لتعمل، لكن "نار الدنيا" المشتعلة بالظلم والاستبداد هي التي تقتات على أجساد الناس وحطام مدنهم. لذا، فإن الأمر الإلهي "اتقوا النار" هو دعوة سياسية واجتماعية حالية لإطفاء حرائق الفتن والصراعات قبل أن تأكل الأخضر واليابس، لأن هذه النار هي مسؤولية بشرية نصنعها بأيدينا. ديمقراطية التخصص: تفكيك وهم "طاعة ولي الأمر" لقد استخدم "الكهنوت الديني" وفقهاء السلطة مفهوم "طاعة ولي الأمر" كأداة لتكريس الخنوع للظالمين، مبررين الاستبداد بروايات تدعو للطاعة وإن "جُلد ظهرك وسُلب مالك". لكن المنطق القرآني يعيد تعريف "أولي الأمر" ليكونوا "أصحاب التخصص"؛ فالمهندس في موقع بنائه ولي أمر، والطبيب في مشفاه ولي أمر، والمزارع في حقله ولي أمر. الاستبداد يبدأ من "الركون للظالمين" (أي تبرير أفعالهم أو الصمت عنها)، وهذا الركون هو الذي يسلب النصر عن الأمة. لا يمكن لمجتمع يقدس الجبابرة ويخضع للكهنوت أن ينتصر، مهما رفع يديه بالدعاء، لأن "الركون" هو مشاركة فعلية في الجريمة. أيقونة نوح: الهلاك عقوبة "الظلم الاجتماعي" قصة نوح هي المثال الأبرز على هذه السنن. الهلاك الذي حلّ بقومه لم يكن لمجرد أنهم لم يعتقدوا بوجود الله، بل لأنهم كانوا "قوماً ظالمين". الرسل (الذين جاءوا بصيغة الجمع في قصة نوح) كانوا منذرين بوقوع "انهيار اجتماعي" وشيك نتيجة الظلم، لكن الناس "كذبوا" بإمكانية وقوع هذا العذاب المادي. حتى الرقم "ألف سنة إلا خمسين عاماً" يمكن قراءته وفق مقاييس زمنية أو زراعية مختلفة تعكس طول الصراع بين الإصلاح والظلم، وليس مجرد معجزة بيولوجية. لقد غرقوا لأن الظلم أصبح هو النظام السائد، فحق عليهم قانون الهلاك الذي لا يستثني من ركن للظالمين. خاتمة: هل يكفيك أن تكون "صالحاً" في بيتك؟ إن الدمار الذي يحيط بنا ليس "قدراً غيبياً" لا فكاك منه، بل هو ثمن السكوت عن الظلم والركون للمستبدين. لقد حان الوقت لنفهم أن الإيمان الحقيقي هو "إيمان اجتماعي" يحمي حقوق الآخرين، وأن الله لا يحابي أحداً في سننه الكونية. إذا كان الظلم هو الوقود الحقيقي للنار التي تلتهم مدننا وحاضرنا، فهل تعتقد حقاً أن صلاتك في زاوية بيتك ستحميك من سقفٍ ينهار؟ السؤال الذي يجب أن يواجهه كل منا: هل ستظل "صالحاً" سلبياً ينتظر دوره في المحرقة، أم ستتحول إلى "مصلح" فاعل يساهم في بناء "المدينة" التعددية التي تطفئ نيران الاستبداد؟ د. م. خالد السيد حسن https://youtu.be/TPZqS8yZMO0

تجد   هنا   مزيدا من الدروس القرآنية —


Leave a comment