لقاءات رمضانية 2026 – الحلقة 8: القانون الإلهي لهلاك الأمم – خمس حقائق غائبة في وعينا الجمعي

لماذا لا ننتصر؟ ولماذا ترزح شعوبنا تحت وطأة المعاناة والشتات رغم امتلاء المساجد وضجيج المنابر بمظاهر التدين؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي يهرب الكثيرون من مواجهته بحقائق الواقع. إن الإجابة التي تكشفها البنية اللغوية والسنن الإلهية في القرآن الكريم تضعنا أمام صدمة معرفية كبرى؛ فنحن لا نعاني من "قلة تدين" بالمعنى التقليدي، بل نعاني من سوء فهم عميق للمفاهيم التي تقوم عليها نجاة الأمم أو هلاكها. لكي نستعيد التوازن، علينا أن نقشر طبقات الموروث لنصل إلى جوهر القوانين الإلهية التي لا تحابي أحداً. 1. الحقيقة الأولى: الإيمان فعل اجتماعي (منح الأمان) إذا تأملنا الهندسة اللغوية للقرآن، سنجد أن فعل "آمن" هو فعل متعدٍ بطبعه، أي أنه يتطلب "مفعولاً به" يقع عليه فعل التأمين. الإيمان في جوهره ليس حالة ذهنية مغلقة، بل هو "منح الأمان" للآخرين. إن لفظ "آمن" حين يرد في القرآن مجرداً عن لفظ الجلالة، فإنه يحمل دلالة اجتماعية محضة تعني السلم والأمان؛ وحتى حين يرتبط بالله، فإن الجانب العقدي يظل ضمنياً، بينما تظل الوظيفة الاجتماعية الأساسية هي أن "المؤمن" هو من يمنح الأمان لمجتمعه مستعيناً بخالقه. تأملوا قول إخوة يوسف لأبيهم: "وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين" (يوسف: 17)؛ إنهم لم يقصدوا أن أباهم لا يصدقهم، بل قصدوا بوضوح: "أنت لن تمنحنا الأمان والثقة في هذا الأمر". الإيمان إذن هو "عقد أمان" بينك وبين الوجود، وبدونه تسقط أولى دعائم الحضارة. 2. الحقيقة الثانية: الظلم المطلق هو السبب لهلاك الأمم هناك قناعة سائدة بأن الأمم السابقة هلكت لأن عقول أفرادها لم تصل إلى قناعة بوجود الله. لكن التدبر في السنن الإلهية يخبرنا بشيء مختلف تماماً: الله لا يهلك القرى لمجرد قصور في التصور العقدي أو عدم الوصول ليقين بوجود خالق، بل يهلكها بسبب "الظلم". في قوله تعالى: "لما ظلموا"، نلحظ ملمحاً لغوياً إعجازياً يتمثل في "حذف المفعول به". هذا الحذف في لغة العرب يفيد "الإطلاق"؛ أي أن الهلاك يقع حين يصبح الظلم سلوكاً مطلقاً يطال النفس، والجار، والبيئة، والحيوان. إن الظلم هو المحرك الوحيد الذي يستوجب التدخل الإلهي لإنهاء وجود حضارة ما، بغض النظر عن هويتها الدينية. "وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً" (الكهف: 59). 3. الحقيقة الثالثة: "إذن الله" هو البنية التحتية العلمية للكون كثيراً ما ننتظر "إذن الله" كأنه تدخل غيبي عشوائي يعطل القوانين، بينما الحقيقة أن العلم هو التجلي العملي لإذن الله. "الإذن" في المنظور القرآني هو "الإمكانات المتاحة" عبر القوانين الفيزيائية والهندسية والطبية وخلافه. لقد أذن الله للسمكة أن تتنفس تحت الماء بخلق الخياشيم لها، ولم يأذن للإنسان بذلك إلا من خلال "إذن" آخر هو علم الغوص والتقنية. حين نقول إن "التأمين" (الإيمان) لا يتم إلا بإذن الله، فنحن نعني أنه لا يمكن تأمين مدينة من إعصار أو جائحة بالدعاء وحده؛ بل بامتلاك "الإذن الإلهي" المتمثل في علم الأرصاد والهندسة والطب. الطبيب الذي يداوي المريض يمنحه الأمان لأنه يمتلك "إذن الله" (العلم)، والمهندس الذي يشيد جسراً آمناً يمارس الإيمان من خلال قوانين الفيزياء. فبدون العلم، نحن لا نملك "إذناً" لتأمين حياتنا. 4. الحقيقة الرابعة: الرسل بشر والوحي ليس مفتاحاً للغيب يجب أن نتجاوز النظرة الأسطورية للرسل لنراهم كما قدمهم القرآن: بشر يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق. الرسل لا يملكون مفاتيح الغيب ولا يتنبؤون بأحداث تفصيلية تقع بعد آلاف السنين، فالقرآن صريح في قول الرسول: "ولا أعلم الغيب". ويظهر هذا الانضباط الزمني في الرسم القرآني المذهل؛ فعندما يوصف الرسول بكلمة "شاهد" في سياق يوم القيامة، تُكتب بالألف الخنجرية (شٰهد). هذه الألف تشير لغوياً إلى حالة من "النقص" أو "التعليق"؛ فهي شهادة مع وقف التنفيذ، لم تُؤدَّ بعد لأنها تخص المستقبل. بينما في قصة يوسف، كُتبت “شاهد" بالألف الممدودة لأن الشهادة حدثت وتمت في الماضي. هذا يؤكد أن الرسل محكومون بالزمن والبشرية، ومهمتهم محصورة في البلاغ المبين، لا في التحكم في أقدار الغيب. 5. الحقيقة الخامسة: الموازين تقوم على "الأعمال" لا على "الهوية" في يوم الحساب، تُترك الهويات (مسلم، مسيحي، يهودي) وراء الظهور كما تترك الأموال، فالله لا يحاسب "البطاقة الشخصية" بل "لسان الحال". الميزان الإلهي لا يعرف الانتماءات، بل يعرف "العمل الصالح" و"الإفساد". من هنا، نصل إلى حقيقة صادمة: "المجرم" في القرآن هو نقيض "المؤمن". إذا كان المؤمن هو من يمنح الأمان، فإن المجرم هو من ينتهك هذا الأمان ويمارس الظلم الاجتماعي. الإجرام في المنطق القرآني هو فئة اجتماعية سلوكية وليس تصنيفاً طائفياً. فالعذاب معدّ للظالمين (المجرمين) الذين لم يأمن الناس من لسانهم ويدهم، والنعيم معدّ لمن آمن (أَمَّنَ الناس) وأصلح، أياً كانت الهوية التي يحملها في الدنيا. مسؤولية الأمان في أعناقنا إن "النصر" الذي ننشده ليس معجزة تهبط من السماء، بل هو استحقاق اجتماعي وعلمي. نحن لا ننتصر لأننا لم نحقق شرط "الإيمان" بمعناه الحقيقي؛ أي لم نمنح الأمان لمجتمعاتنا من خلال العدل والبحث العلمي وقوانين الإذن الإلهي. إن مصيرنا مرتبط بمدى كفّنا عن الظلم ومدى قدرتنا على تحويل الإيمان من شعار قلبي إلى فعل تأمين شامل للإنسان والكون. ويبقى السؤال الذي يختبر صدقنا مع أنفسنا: "إذا كان الإيمان في جوهره هو منح الأمان للآخرين، فكم نصيب العالم من إيماننا اليوم؟" د. م. خالد السيد حسن https://youtu.be/utrk3RlvpRo?si=ZpKQUcEub2f4iCn3

تجد   هنا   مزيدا من الدروس القرآنية —


Leave a comment