نقد مفهومي الإسلام والإيمان عند د. محمد شحرور (رحمه الله)
في دهاليز الوعي الموروث، استقرت كلمة "مسلم" كعنوان لهوية عقدية مغلقة، و"مؤمن" كدرجة إيمانية قلبية محضة. غير أن القارئ لآيات الذكر الحكيم برؤية لسانية متفحصة، يجد نفسه أمام "اشتباكات معرفية" مذهلة تخلخل هذا الفهم المستقر. فكيف يصف القرآن أنبياء كإبراهيم ويعقوب -عليهما السلام- بصفة "الإسلام" رغم أن رسالاتهم سبقت الرسالة المحمدية بقرون؟ وكيف ينفي القرآن "الإيمان" عن الأعراب ويثبت لهم "الإسلام" في لحظة زمنية واحدة؟ لقد بذل المفكر الراحل الدكتور محمد شحرور جهداً مشكوراً في تحريك المياه الراكدة، حين اعتبر الإسلام عقيدة عالمية (الإيمان بالله واليوم الآخر). ولكن، بالتعمق في "اللسانيات القرآنية"، نكتشف أننا بحاجة لتجاوز هذا التعريف نحو رؤية أكثر عالمية؛ رؤية تنقل "الإسلام" و"الإيمان" من خانة "الاعتقاد" إلى فضاء "السلوك الإنساني المتعدي". أولاً: الإسلام ليس "عقيدة" بل "فعل سلام" متعدٍ يكمن "مفتاح الخلاف" الجوهري مع التفسيرات التقليدية -وحتى مع رؤية شحرور- في فك الارتباط بين الإسلام والعقيدة. فالإسلام في اللسان العربي المبين مشتق من "السلم". وإذا ما نظرنا إليه كـ "فعل متعدٍ"، سنجد أن جوهر الإسلام هو "منح السلام للآخرين" كفعل ممارس في الواقع. هنا ننتقل من الدائرة الوجدانية الخاصة بين العبد وربه إلى الدائرة القانونية والاجتماعية العامة. إن حذف المفعول به في آيات الإسلام والإيمان -لسانياً- يراد به "الإطلاق"؛ أي منح السلام أو الأمان لكل من حولك دون استثناء. وبناءً على هذا المنظور الحضاري، فإن الياباني الذي لا يشترك معك في العقيدة، ولكنه يمنح السلم لمجتمعه ويكف أذاه عن الناس، هو "مسلم سلوكي" بامتياز، بينما "المسلم العقدِي" الذي يمارس الإرهاب قد فقد جوهر الإسلام القرآني، بل إن ربط الإسلام بالعقيدة هو الذي يفتح -للأسف- أبواب الصراع الإقصائي تحت مسميات "القتال العقدي". ثانياً: لغز "الأعراب" الذي حطم التفسيرات التقليدية تقف الآية 14 من سورة الحجرات: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا}، حجة دامغة تنقض اعتبار الإسلام مجرد "عقيدة". لقد ذهب الدكتور شحرور إلى أن الإسلام هو الإيمان بالله واليوم الآخر، ولكن هذه الآية تنفي عن هؤلاء الأعراب "الإيمان" جملة وتفصيلاً، ومع ذلك أثبتت لهم صفة "الإسلام". فإذا كان الإسلام هو الإيمان بالله، فكيف استحقوا وصف "مسلمين" وهم لم يؤمنوا بعد؟ التفسير اللساني الرصين يوضح أن الإسلام "رتبة سلوكية" تسبق الإيمان؛ فهؤلاء الأعراب كفوا أذاهم ومنحوا "السلم" الاجتماعي للدولة الجديدة، فاستحقوا صفة "الإسلام" كحالة قانونية تحقن دماءهم، رغم أن قلوبهم لم تترقَّ بعد لمرتبة السكينة ومنح الأمان (الإيمان). هذا يثبت أن الإسلام سلوك خارجي ملموس، لا يتطلب اعترافاً عقدياً مسبقاً ليكون فاعلاً في حماية دماء البشر. ثالثاً: الإيمان هو "الأمان".. هل يشعر جيرانك بالأمن منك؟ مثلما يرتبط الإسلام بالسلم، يرتبط "الإيمان" لسانياً بـ "الأمان" لا "التصديق" الذهني فحسب. الصدق ضده الكذب، أما "الأمان" فضده الخوف. المؤمن في القرآن هو من "يمنح الأمان" للآخرين، وهو فعل يتطلب "مفعولاً به" يقع عليه هذا الأمان. ثمة التفاتة لسانية عبقرية هنا؛ فنحن في تحيتنا نقول "السلام عليكم" (منح فعل السلم)، ولا نقول "الأمان عليكم"؛ لأن "الأمان" هو شعور بالسكينة يستقر في روع الطرف الآخر تجاهك، وهي شهادة يمنحها المجتمع لك، وليست ادعاءً تدعيه لنفسك. ولعل هذا ما يحل معضلة فقهية في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً}؛ فكيف نعرف أن القتيل "مؤمن" لنطبق أحكام الدية والتحرير؟ هل نشق عن قلبه لنرى عقيدته؟ بالتأكيد لا، بل نعرفه بـ "سلوكه المشهود"؛ فالمقتول كان إنساناً مسالماً يمنح الأمان لمن حوله، لذا وجب القصاص أو الدية. "ذات يوم، وُجه إليّ سؤال: هل أنت مؤمن؟ فكان جوابي: إنني مسلم وهذا القرار هو بيدي، وأبذل وسعي لأكون لأمنح الأمان لغيري، أما كوني 'مؤمناً' فهذا شأنٌ لا أملكه؛ اذهب فاسأل جيراني وأصدقائي ومن يتعاملون معي، هل يجدون في قربي سكنيةً وأماناً أم يساورهم خوفٌ من غدري؟ فالأمان شهادة يكتبها الآخرون في سجلك، وليس رداءً ترتديه أمام المرآة." رابعاً: العقيدة "أداة" وليست "غاية" في حد ذاتها يطرح المنظور اللساني مفهوم "العقيدة المستترة"؛ فالله غني عن اعتراف البشر بوجوده، لكنه منحنا العقيدة كبوصلة للاستقامة. إن القرآن حين يقول {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ}، فإنه يتضمن العقيدة لزوماً دون حاجة لإقرار قانوني. ولتقريب المعنى، نتأمل مثال "الطائرة": إن من يركب الطائرة للسفر فقد اعترف حكماً وضمناً بأنها وسيلة نقل آمنة، دون أن يحتاج لإصدار بيان يعلن فيه إيمانه بالمحركات النفاثة. هكذا هي العقيدة؛ أداة للعمل الصالح. لذا، نجد أن الحساب الإلهي يوم القيامة لا يتركز على "التصورات الذهنية" بل على "الظلم" كفعل متعدٍ يؤذي الخلق؛ لقوله تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا}. فالنار جزاء "الظلم" (السلوك العدواني)، وليست جزاء الفكر الشخصي، فالله لا يظلم أحداً عمل صالحاً حتى وإن لم تكتمل عقيدته. خامساً: لماذا يقاتل القرآن "المجرمين" لا "غير المؤمنين"؟ إن تصحيح مفهوم "المجرم" في السياق القرآني ينسف جذور الفكر الإرهابي. "المجرم" ليس هو من يختلف معك في المذهب أو الدين، بل هو من "يقطع صلات السلم" (من الجرم وهو القطع)؛ أي الذي يمارس السلب والنهب والترويع. القرآن يأمر بالدفاع ضد من لا "يسلمون" (أي يرفضون منح السلم للمجتمع)، فإذا {جَنَحُوا لِلسَّلْمِ} وانتهى إجرامهم، وجب الكف عن قتالهم فوراً، بصرف النظر عما يعبدون. هذا الفهم يعيد الاعتبار لمبدأ {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}؛ فالمجتمع يحاسب على "الإجرام" السلوكي، ورب العالمين سيحاسبنا أيضاً على أعمالنا، وليس على معتقداتنا، فلا تستنسخ في حياتنا الدنيا إلا الأعمال. الخاتمة: نحو تدين إنساني عالمي إن إعادة تعريف الإسلام كـ "ضرورة حضارية" قائمة على السلم، والإيمان كـ "حالة إنسانية" تفيض بالأمان، يخرجنا من ضيق المذهبية الإقصائية إلى سعة الإنسانية العالمية. إن التدين الحقيقي ليس طقوساً معزولة، بل هو أثر إيجابي ملموس يغير حياة الناس نحو الأفضل. إن الحساب الأخروي، وفق منطق العدل الإلهي، لن يرتكز على بطاقتك التعريفية بقدر ما سيرتكز على ما قدمته يداك من نفع أو ضرر. والسؤال الجوهري الذي أتركه بين يديك: "إذا كان الله لا يكترث لمعتقدك في تعامله الدنيوي معك بقدر ما يكترث لأثرك في سكينة وسلام الآخرين.. فهل أنت حقاً المسلم الذي يطمح إليه القرآن؟" د. م. خالد السيد حسن المزيد من التفاصيل على الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=SWeRABd5CTg
تجد هنا مزيدا من الدروس القرآنية —
Leave a comment