بعض إفترءات أهل الحديث - عدنان الرفاعي

السادة الأفاضل .. حيّاكم الله تعالى .. جميعاً .. المنشور السابق تمَّ التفاعل معه بشكل كبير ، وانقسم المتفاعلون معه إلى ثلاثة أقسام : قسم مؤيّد للطرح .. ولهم كلّ احترام وتقدير .. قسم معارض للطرح ، وتفاعل بأدب ، ولهم كلّ احترام وتقدير .. قسم تفاعل بقلّة أدب ، لذلك تمَّ حظرهم .. .. خلال حوالي نصف قرن ، تكوَّنت عندي خبرة كبيرة في إدراك حقيقة الذين لم ولن يرو ومضة من نور الحق ، كونهم فاقدين للإرادة الطاهرة .. لقد أُشربوا في قلوبهم الشرك ، فجعلوا التاريخ برواياته ورجاله منهجاً بديلاً عن منهج كتاب الله تعالى ..
اسمحوا لي أن أقتبس من كتابي : [ محطّات في سبيل الحكمة ] النصَّ التالي ، ليرى القارئ نقطة من بحر التيه الذي تحمله بعض الروايات : [[ ... أيُّ تفاهمٍ وأيُّ تعايشٍ في أيِّ وطنٍ يمكننا تصوُّرُه لو تمَّ العمل بمقتضيات الرواية التالية .. البخاري ( 379 ) حسب ترقيم العالميّة : حَدَّثَنَا ....... عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ....... مسلم ( 31 ) حسب ترقيم العالميّة : حَدَّثَنَا ....... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ .. إذاً .. حسبَ هذه الروايات لا تُعْصَمُ دماءُ الناس ولا أموالُهم حتّى يكونوا مُسلمين ويؤمنوا بالرسول محمّد عليه السلام وبكلِّ ما جاءَ به ، ويُصلّوا صلاتنا ، ويستقبلوا قبلتنا ، ويذبحوا ذبيحتنا .. وحسب صياغةِ هذه الروايات لا بُدَّ أن يقوموا بكلِّ هذه الأعمال مجتمعة ، بدليل العطف بالحرف ( وَ ) دون الحرف ( أو ) بين هذه الشروط التي تعصمُ دماءَهم وأموالَهم : [[ وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا ]] ،، [[ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ ]] .. ..وهنا يأتي دور ذارّي الرّماد في الأعين ، فيدلّسون قائلين : كلمة الناس هنا لا تعني كلَّ الناس إنّما تعني الذين يقاتلوننا ، يقولون ذلك لأنَّهم يعلمون في قاع أنفسهم أنَّ مثل هكذا روايات يُدرك فسادها من عنده ذرّة من إيمان بكتاب الله تعالى .. وأردُّ على هؤلاء فأقول : لنفرض جدلاً صحّة تدليسهم ، فهل نقاتل الذين يقاتلوننا من أجل أن يُصلّوا صلاتنا ويذبحوا ذبيحتنا ويستقبلوا قبلتنا ، أم نقاتلهم لنردَّ عدوانهم ؟ .. أليست كلمة (( حتَّى )) في الرواية المكذوبة : [[ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ]] كلمة حتّى أليست بمعنى : من أجل أن ؟ .. أليست بمعنى : لكي ؟ .. يعني هدف القتال المزعوم في الرواية هو : أن يُؤمن الناس بمنهج أتباع الرسالة الخاتمة ، وينتهي هذا القتال عندما يتحقّق ما تحمله الكلمات التالية في هذه الرواية المكذوبة : [[ فَإِذَا قَالُوهَا وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ]] .. بعد هذا التفنيد لنص هذه الرواية ، هل يبقى هناك من معنى لتدليس المُدلّسين ؟ ..
كُيفَ تُعَدُّ هذه الروايات نصوصاً مُقدَّسة في الوقت الذي نقرأُ فيه قولَ الله تعالى : (( لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي )) [ البقرة : 256 ] (( ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلّهم جميعاً أفأنت تُكره الناس حتّى يكونوا مؤمنين )) [ يونس : 99 ] (( وقل الحقّ من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر )) [ الكهف : 29 ] .. حتى آيات كتاب الله تعالى يُؤوّلونها تأويلاتٍ ما أنزل الله تعالى بها من سلطان ، فاللاإكراه المعنيُّ بقولِه تعالى : (( لا إكراه في الدّين )) يزعمُ بعضُهُم أنّه قبلَ دخول الدين فقط ، بينما بعد دخول الدين فلا صلاحيةَ عندهم لهذه العبارة القرآنيّة ... وحتّى لو طلّقنا عقولَنا وقبلنا مثل هذه التأويلات الفاسدة ، فإنّ الأحاديث التي ذكرناها تنسفُ هذا التأويلَ من جذوره ، فالعبارة المُفتراة على الرسول عليه السلام في هذه الروايات : [[ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ ]] ، هذه العبارة المزعومة تأمرُ بمقاتلةِ من لم يؤمن بعد .. إذاً هذه الأحاديث وهذه التأويلات والتفاسير الفاسدة كُلّها ينقضُها القرآن الكريم جملةً وتفصيلاً .. .. كيف يفترون على كتاب الله تعالى بأنَّ اللاإكراه المعني بقوله تعالى (( لا إكراه في الدّين )) هو قبل الدخول في الدين ، ثم ّيعودون فيضعون روايات ينسبونها للرسول عليه السلام بأنَّه قال [[ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ ]] ؟!!! .. نترك الإجابة لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ .. .. ولننظر في الحديث التالي : مسلم ( 3281 ) حسب ترقيم العالميّة : و حَدَّثَنَا ....... قَالَ سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الذَّرَارِيِّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ فَقَالَ هُمْ مِنْهُمْ وقبل أن يخرج علينا أحدٌ بتأويل من جيبه ليذرَّ الرماد في أعيننا ، لننظر في النصِّ التالي المُقتطَع من كتاب صحيح مسلم بشرح النووي ، فيما يخصُّ هذا الحديث : [[ ....... وهذا الحديث الذي ذكرناه من جواز بياتِهم وقتل النساء والصبيان في البيات , هو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور . ومعنى ( البيات , ويبيتون ) أن يغار عليهم بالليل بحيث لا يُعرف الرجل من المرأة والصبي . وأما ( الذراري ) فبتشديد الياء وتخفيفها لغتان , التشديد أفصح وأشهر , والمراد بالذراري هنا النساء والصبيان . وفي هذا الحديث : دليل لجواز البيات , وجواز الإغارة على من بلغتهم الدعوة من غير إعلامهم بذلك . وفيه : أن أولاد الكفار حكمهم في الدنيا حكم آبائهم ....... ]] .. كيف نُوفِّقُ بينَ شرحَ هذا الحديث الموضوع على لسان الرسول عليه السلام : [[ وفي هذا الحديث : دليل لجواز البيات , وجواز الإغارة على من بلغتهم الدعوة من غير إعلامهم بذلك . وفيه : أن أولاد الكفار حكمهم في الدنيا حكم آبائهم ]] ، كيف نُوفِّقُ بين ذلك وبين قَوْلِه تعالى : (( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدّين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنَّ الله يحب المقسطين )) [ الممتحنة : 8 ] .. كيف نُوفِّقُ بين هذا الحديث المُلفَّق على الرسول عليه السلام وشرحه ، وبين قوله تعالى : (( أنّه من قتل نفساً بعير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنّما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعاً )) [ المائدة : 32 ] .. .. وكيف نفهم قولَهم : [[ أن أولاد الكفار حكمهم في الدنيا حكم آبائهم ]] ؟ !!! .. ما ذنبُ هؤلاء الأطفال الذين لم يصلوا سنَّ التكليف بعد ؟!!! .. ومن زاوية علمهم بالتكليف وبحثِهم عن الحقيقة ماذا يختلفون عن أطفالنا ؟!!! .. ألا تُعطي مثل هذه النصوص الموضوعة وتأويلاتُها للمتطرّفين حيثيّات تطرّفِهم الذي ينسبونه لمنهج الله تعالى ، ومنهج الله تعالى من ذلك براء ؟ .. ألا نرى في هذه الروايات الأسسَ الأولى للفكر الظلامي المتطرِّف التكفيري الذي عانت وتعاني منه الأمّة ؟ .. نترك الإجابة لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ .. .. ولم تقتصر هذه العصبيّةُ العمياءُ على الأديان الأخرى ، بل تعدّت ذلك إلى نَسْبِ نصوصٍ إلى الرسول عليه السلام تُكفِّرُ حتّى بعض أبناء الأمّة ممّن يؤمنون بالقرآن الكريم وبرسالة الرسول محمّد عليه السلام .. وكنّا قد رأينا في محطّةٍ سابقة الحديثَ التالي .. ابن ماجة ( 3983 ) حسب ترقيم العالميّة : حَدَّثَنَا ....... قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقَتْ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً وَهِيَ الْجَمَاعَةُ أحمد ( 11763 ) حسب ترقيم العالميّة : حَدَّثَنَا ....... قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ افْتَرَقَتْ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَأَنْتُمْ تَفْتَرِقُونَ عَلَى مِثْلِهَا كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَة .. الكارثة العظمى أنَّ كُلَّ فرقةٍ وكلَّ طائفةٍ من طوائف الأمّة يزعمُ أفرادُها أنّهم هم تلك الفرقة الناجية ، وبالتالي فباقي الفرق في النار .. من هنا نرى أنَّ وَضْعَ مثلِ هذه الروايات المتناقضة أساساً كثوابتَ يُعايرُ عليها فكرُ الأمّة في كلّ زمانٍ ومكان ، كفيلٌ بخطفِ أيِّ صحوةٍ يُرادُ منها وحدةُ الأمّةِ والنهوضُ بها إلى الدرجة التي تليق بها كأمّة حاملة لمنهج الله تعالى .. فمثل هذه الروايات تُعيدُ الأمّةَ إلى ما تحت الصفر في أيّ صحوةٍ تملأ نفوسَ أبنائها ، وذلك من خلال إعطائهم حيثيّات التناحر والتكفير والاقتتال .. ]] .. انتهى الاقتباس .. عدنان الرفاعي

تجد   هنا   مزيدا من الدروس القرآنية —


Leave a comment