لقاءات رمضانية 2026 – الحلقة 7: هل فهمنا «إذن الله» بشكل خاطئ؟

تتوالى من حولنا مشاهد الدمار في مدننا المعاصرة؛ من ليبيا وسوريا إلى غزة واليمن والعراق، حيث تُهدم البيوت فوق رؤوس أصحابها ويُدفن الأبرياء أحياء. وفي المقابل، يستوقفنا النص القرآني عند تجربة قرية "يونس" عليه السلام بوصفها الحالة الاستثنائية التي آمنت فكشف الله عنها "عذاب الخزي". هنا يبرز تساؤل جوهري يفرضه الواقع والوجدان: لماذا نجا هؤلاء بينما تغرق مجتمعاتنا اليوم في المآسي رغم ضجيج الشعائر وكثرة المصلين؟ الإجابة لا تكمن في قَدَرٍ أعمى، بل في ضرورة إحداث ثورة مفاهيمية في وعينا الديني تصحح فهمنا لمعنى الإيمان، والظلم، وما اصطلحنا على تسميته "إذن الله". أولاً: الغاية من الرسالة السماوية ليست "الاعتراف بوجود الخالق" يسود في وعينا التقليدي فهمٌ قاصر للدين يختزله في "الاعتقاد بوجود الله"، وكأن الخالق –عز وجل– يكترث بمجرد التصديق الذهني بوجوده، أو كأن ملكه سيتأثر إن لم نقرّ بربوبيته. الحقيقة القرآنية الصادمة هي أن مشركي مكة لم ينكروا وجود الله أصلاً، بل كانوا يقرّون بأنه خالق السماوات والأرض، ومع ذلك أُرسل إليهم رسول. السبب؟ أنهم كانوا يعيشون حالة "الغزو" (النهب والسلب)، مفتقرين للنظام والأمان والعدل. إن المقاربة الفلسفية هنا توضح أن "الاعتراف بالوجود" هو منطق الدكتاتوريات البشرية التي لا يهمها سوى التمجيد والاعتراف بسلطتها، أما الله –ولله المثل الأعلى– فمنطقه هو منطق "الدولة المتحضرة"؛ فالدولة الراقية (ككندا مثلاً) لا يكترث رئيسها إن كنت تعترف به شخصياً أم لا، لكن أجهزتها تتحرك فوراً إذا هددت أمن جارك أو خرقت القانون. الغاية من الدين هي "الإنسان" وصناعة بيئة مزدهرة. ثانياً: الشعائر (الصلاة والصيام) هي "أدوات" وليست "غايات" لقد وقع العقل الجمعي في فخ تحويل الوسيلة إلى غاية؛ فأصبح أداء الصلاة والصيام هو منتهى "التدين"، بينما ينظر القرآن لهذه العبادات بوصفها "أدوات استعانة" لمهمة أكبر. حين يقول الحق سبحانه: "واستعينوا بالصبر والصلاة"، فهو يقرر وظيفتهما الإجرائية: إنها وسائل لشحن الطاقة الروحية والنفسية لكي يستطيع الإنسان تحقيق الغاية الأسمى، وهي إقامة السلام والإصلاح في الأرض. الشعيرة التي لا تنعكس "أماناً" في الواقع هي شعيرة مفرغة من محتواها الوجودي، تماماً كالأداة التي لا تُؤدي وظيفتها. ثالثاً: لماذا لا يمكن إكراه الناس على "الإيمان"؟ (جدلية القانون والحرية) يطرح القرآن سؤالاً استنكارياً عميقاً: "أفأنت تُكْرِه الناس حتى يكونوا مؤمنين؟". يكمن السر هنا في التمييز اللغوي والوظيفي بين "الإسلام" و"الإيمان". فمن الناحية الاجتماعية والقانونية، يمكن للمجتمعات والسلطات (عبر أدوات الشرطة والقوة) أن تُكره الناس على "الإسلام"، أي إكراههم على الانصياع للقانون وكف الأذى والالتزام بالنظام العام. أما "الإيمان"، فهو مستعصٍ على الإكراه لسببين: أولاً، لأنه فعل إرادي حر (مشيئة). وثانياً، لأن الإيمان في جوهره هو "منح الأمان للآخرين"؛ إنه صفة لا تمنحها أنت لنفسك، بل هي رداء يُلْبِسُك إياه الآخرون حين يشعرون بالأمان تجاهك. وبما أنك لا تملك التحكم في مشاعر الآخرين وردود أفعالهم، فإنه من المستحيل منطقياً أن تُكره أحداَ على أن تكون "مؤمناً" في نظره. رابعاً: فك شفرة "إذن الله".. سنن كونية لا موافقة مزاجية يمثل مفهوم "إذن الله" أحد أكثر المفاهيم التي تعرضت للتشويه عبر الترجمات الخاطئة، خاصة في اللغات الأجنبية حيث تترجم بكلمة (Permission/Approval) أي "الموافقة" أو "السماح". هذا الفهم يجعل من الخالق "شريكاً" –حاشاه– في الجرائم؛ فإذا قُصف طفل، قيل إن ذلك تم "بإذن الله" (بموافقته). ولكن الحقيقة هي أن "الإذن" هو "سنن الوجود الكونية" والقوانين الفيزيائية والطبيعية الصارمة. إذن الله، هو سنن الوجود الكونية. فلا يمكن لمخلوق ان يموت الا بقانون طبيعي من خلق الله. فعندما يسقط إنسان من شاهق فيموت، فهو يموت بـ "إذن الله" (أي بقانون الجاذبية الذي وضعه الله). وعندما تقع كارثة في مدينة بنيت في مجرى السيول أو في مناطق الزلازل، فإن المصيبة تحدث نتيجة مخالفة الإنسان للقوانين الطبيعية، لا لأن الله "يتسلى بتدمير المدن". نحن من نتحمل مسؤولية قراراتنا عند مواجهة هذه السنن، والخلل في علمنا لا يعني غياب القانون الإلهي المحكم. النتيجة الوجودية: النجاة لمن يمنع الظلم لا لمن يحمل العقيدة فقط إن النجاة –وفق الرؤية القرآنية الأصيلة– ليست امتيازاً طائفياً، بل هي استحقاق أخلاقي مرتبط بـ "رفع الظلم". لقد أعد الله النار لـ "الظالمين" حصراً، بغض النظر عن لافتاتهم العقائدية. "وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا۟ يُغَاثُوا۟ بِمَآءٍۢ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا (الكهف: ٢٩). فالعقيدة التي لا تمنع صاحبها من ظلم الخلق هي عبء لا قيمة له، سيتركه المرء وراءه يوم القيامة ولن يصحبه إلا عمله. لقد نجت قرية يونس لأن "إيمانها" لم يكن مجرد تصديق ذهني، بل تحول إلى سلوك عملي كشف عنهم العذاب عبر تحقيق الأمان ورفع الظلم. ويبقى السؤال موجهاً لضمائرنا: هل منظوماتنا الدينية الحالية تهدف لبناء "الأمان" الإنساني، أم أنها تحولت إلى طقوس مفرغة تشرعن الانفصال عن الواقع وسنن الوجود؟ د. م. خالد السيد حسن https://youtu.be/3eTIfzHIN-Q?si=mpSSgE7fZzqDp-kN

تجد   هنا   مزيدا من الدروس القرآنية —


Leave a comment