لقاءات رمضانية 2026 – الحلقة 3: «الإسلام» ليس هو «الاستسلام»

هل تساءلت يوماً لماذا يرتبط "الإيمان" دائماً بحرف الجر "بـ" (آمنتُ بالله)، بينما يركز القرآن على ربط "الإسلام" بحرف الجر "لـ" (أسلمتُ لله)؟ الإيمان بمفهومه المتعدي يحتاج إلى وسائل وسبل (باء الوسيلة)، بينما الإسلام هو فطرة الله التي فطر الناس عليها. لكن الصدمة الحقيقية تكمن في أن ما نطلق عليه اليوم "إسلاماً" قد تم اختطافه من قبل ما يمكن تسميته بـ "الدين الموازي"، ليتحول من فعل قوة وعطاء إلى فعل ذل وخنوع نطلق عليه "الاستسلام". فما هو الفرق الحقيقي الذي يقلب الطاولة على المفاهيم التقليدية؟ الإسلام ليس استسلاماً.. الحقيقة عكس ما قرأت تماماً! ثمة خطأ فادح يقع فيه المفسرون حين يساوون بين "الإسلام" و"الاستسلام". في ميزان اللغة، يمثل فعل "أسلم" قمة العطاء والمنح، بينما "استسلم" هو فعل الطلب والاستجداء. انظر إلى صيغة (أفعل) مقابل (استفعل)؛ فكما أن "فرح" هي شعور ذاتي، فإن "أفرح" (على وزن أسلم) تعني منح الفرح للآخرين. وكما أن "حزن" شعور داخلي، فإن "أحزن" تعني إيقاع الحزن بغيرك. وبناءً على ذلك، فإن "أسلم" تعني "منح السلام" للوجود، بينما "استسلم" تعني طلب السلام لنفسك خوفاً أو عجزاً. "الإسلام هو فعل عطاء، أما الاستسلام فهو فعل طلب... الجندي الذي يستسلم يطلب السلام لنفسه". حين تقول "أسلمتُ"، فأنت تمنح السلام للبشر، والشجر، والحجر؛ هو فعل إيجابي كوني يبدأ منك. أما "الاستسلام" فهو حالة خنوع. إن تحويل الإسلام إلى استسلام يقلب جوهر الدين من رسالة سلام عالمية إلى حالة من الذل المستكين. موازين الله للأعمال لا للأفكار في "الدين الموازي"، يتم إقناع الناس بأن العقيدة المجردة هي تذكرة دخول الجنة، وأن "الأعمال لا تُدخل أحداً الجنة" بناءً على أحاديث هي في حقيقتها "كذب وافتراء" وتناقض صريح للقرآن. القرآن حاسم في أن الحساب لا يقوم على ما تعتقد أو تفكر فيه، بل على ما أنتجته يداك فعلياً. يقول الله تعالى في سورة الجاثية: "إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون". الاستنساخ الإلهي يطال "العمل المنتج" فقط. فمن يفكر في سرقة أو غدر ولم يفعل، لا يُستنسخ في سجله شيء. المعتقدات والأفكار المجردة لا وزن لها في الميزان، والموازين القسط وُضعت للأعمال التي تترك أثراً في الوجود. "وجه الله" ليس ملامح، بل بوصلة الحق والعلوم عندما يطالبنا القرآن بـ "إسلام الوجه لله"، فهو لا يتحدث عن أعضاء بشرية، بل عن "الوجهة" والتوجه العام للإنسان. "وجه الله" هو قوانين الطبيعة والوجود؛ فالعالم الذي ينظر عبر الميكروسكوب في "البيولوجيا" يرى وجه الله، والباحث الذي يحفر الأرض في "الجيولوجيا" يرى وجه الله في قوانين الخلق. أما المفهوم الثوري الآخر فهو "المسجد الحرام". المسجد الحرام ليس مجرد بقعة جغرافية في مكة، بل هو كل مكان تُحترم فيه حقوق الإنسان وتُقدس فيه المحرمات الإلهية للعدل. التوجه شطر "المسجد الحرام" يعني توجيه بوصلة حياتك نحو العدل والسلام وحقوق البشر، حتى لو كانت تلك البلاد هي ما نسميها "بلاد الكفر" طالما أن السلام فيها هو السائد. "إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا" هذه الآية هي التعريف العملي: العمل "لوجه الله" هو الذي تؤديه بدافع الفطرة السليمة والعدل، دون انتظار شكر أو مصلحة من أحد. الصلاة "أداة" وليست غاية.. الله لا يضره تقصيرك يجب أن نفهم أن الله "غني عن العالمين"؛ لن يكترث الخالق بصومك أو صلاتك إذا كانت تلك الشعائر بلا ثمرة إنسانية. الصلاة في جوهرها هي "أداة استعانة" لتذكر رقابة الله، وليست حركات ميكانيكية تُرضي إلهاً محتاجاً للتمجيد. انظر إلى آية الجمعة: "فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله". إذا قرر شخص أن يظل نائماً في المسجد بعد الصلاة، فهو لم يعصِ الله بالمعنى التعبدي، بل هو الذي سيخسر مادياً في تجارته ورزقه. لن يكترث الله لقعوده، لكنه هو من سيدفع ثمن إهماله لسنن السعي. المقياس الحقيقي هو: هل خرجت من صلاتك لتعدل وتُحسن، أم لتظلم وتغش؟ الظلم هو "الخط الأحمر" والشرك الحقيقي إن هلاك الأمم والقرى عبر التاريخ لم يكن له علاقة بعقائدها أو أفكارها، بل كان دائماً وأبداً بسبب "الظلم". الله قد يتجاوز عن تقصيرك في حقه الشخصي، لكنه سينتقم حتماً إذا ظلمت عصفوراً أو إنساناً. الظلم هو المعيار الوحيد للدمار الكوني. واليوم، نرى أن "الطائفية" والمذهبية هي نوع من "الشرك" الذي طعن جسد الأمة ومزقها. فكل من يظلم غيره باسم مذهب أو طائفة، فقد أشرك بالعدل الإلهي ووضع نفسه في مواجهة منتقم جبار. خاتمة: كذبة "الفرقة الناجية" والحساب الفردي علينا أن نتحرر من وهم "الفرقة الناجية"؛ فلا توجد جماعة أو مذهب (سني، شيعي، يهودي، مسيحي) سيدخل الجنة ككتلة واحدة. الحساب يوم القيامة "فردي" بامتياز: "وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً". لن تنفعك المسميات ولا الشعارات؛ الميزان وُضع لمن "منح السلام" (أسلم) للعالم، وليس لمن خضع بذل (استسلم) أو انتمى لطائفة تدعي امتلاك الحقيقة. سؤالي لك: إذا كان الله لا ينظر إلى مسمى مذهبك في هويتك، بل ينظر إلى أثر السلام والعدل الذي تركته في حياة الناس، فماذا ستحمل في سجلك المستنسخ غداً؟ د. م. خالد السيد حسن https://youtu.be/e6IBlUPACAA?si=x42UYu--7axpWER7

تجد   هنا   مزيدا من الدروس القرآنية —


Leave a comment