لقاءات رمضانية 2026 – الحلقة 16: خمس حقائق صادمة عن الهداية والضلال

تطرح التيارات العلمانية والمشككة دوماً مأخذاً جوهرياً على النص القرآني: "إذا كان الله هو الذي يُضِل من يشاء، فما ذنب الإنسان؟ وهل يعاقبنا الخالق على قدرٍ كتبه علينا سلفاً؟". هذا التساؤل ليس مجرد ترف فكري، بل هو طعن في مفهوم العدالة الإلهية ذاته؛ فالحساب لا يكون عادلاً إلا إذا كان نابعاً من حرية اختيار كاملة. إننا بحاجة اليوم إلى "تفكيك المفهوم المقلوب" للهداية والضلال، لنكتشف أنها ليست قرارات غيبية فوقية، بل هي "رد فعل سلوكي" محض وقانون كوني صارم. أولاً: الهداية ليست جهاز تحكم "ريموت كنترول" إلهي يجب أن نتجاوز تلك "الصورة الطفولية" التي رسمها الخيال الشعبي للذات الإلهية؛ صورة ذلك "الشيخ المسن" الذي يجلس فوق العرش ويختار بقرار عشوائي أن يَهدي زيداً ويُضل عمراً. الله سبحانه وضع لهذا الوجود "سنناً وقوانين" تعمل بدقة متناهية، وهي عبارة عن تفاعلات اجتماعية، بيولوجية، اقتصادية، وكيميائية. في هذا السياق، فإن فعل "يشاء" في الآيات التي تتحدث عن الهداية والضلال يعود فاعله لسانياً على "الإنسان". فمشيئة الله هي "نظام القانون" وليست "التدخل العبثي في الفعل"؛ أي أن الله وضع قانوناً مفاده: (من يشأ الضلال يسلك طريقه، ومن يشأ الهداية يسلك سبيلها). الله لا يضل الناس ابتداءً، بل أعمالهم هي التي تسير بهم نحو النتائج الحتمية، تماماً كما تقود المقدمات المنطقية إلى نتائجها. ثانياً: لغز غياب كلمة "العقيدة" عن القرآن الكريم من المذهل حقاً أن مصطلح "عقيدة" لم يرد مرة واحدة في القرآن الكريم. هذا الغياب جوهري وليس عفوياً؛ فالناس يختلفون في معتقداتهم الميتافيزيقية الموروثة بناءً على الجغرافيا والبيئة (بين الهند والصين وأوروبا). إن الله لا يحاسب البشر على "القناعات الباطنية" التي لا يملك أحد كشفها، بل على "النتائج السلوكية" المنبثقة عنها. خذ مثلاً قصة "إبراهيم والطيور"؛ سواء اعتقدت أنها معجزة مادية لتقطيع الطيور وإحيائها، أو رأيتها رمزاً معنوياً، فإن الله لا يحاسبك على "كيفية" وقوع المعجزة، بل على "العمل" الناتج عن معتقداتك. الهداية ليست في تبني علوم معينة لما وراء الطبيعة "الميتافيزيقا"، بل في السعي العقلي والعملي؛ فالمعجزات المادية في القرآن لم يكن لها مفعول عقائدي حقيقي، بينما الآيات الكونية (كالليل والنهار) هي الهادي الحقيقي لمن يتدبر. ثالثاً: "عدم الهداية" كقانون لاندثار المؤسسات (نموذج الشركة) حين يقول القرآن "إن الله لا يهدي القوم الظالمين"، فهو يخاطب "القوم" كجماعة وبيئة اجتماعية. لنفهم هذا سننياً، لنتأمل نموذج "الشركة الفاشلة": البيئة الفاسدة: عندما يسود الظلم الوظيفي والفساد المالي في مؤسسة ما، فإنها تسير نحو الانهيار حتماً. قانون الهلاك: الله لا "يهدي" هذه الشركة للنجاح الاقتصادي، ليس بقرار تعسفي، بل لأن "الظلم" يولد بيئة غير صحية تمنع الإبداع والاكتراث، مما يؤدي للإفلاس. إن "عدم هداية الظالمين" هو قانون انهيار المجتمعات؛ فالمجتمع الذي يغيب عنه العدل يؤول إلى الخراب كنتيجة تلقائية لأفعاله، فالله بقوانينه السنية لا يتدخل لإنقاذ من أصر على هدم أركان بقائه. رابعاً: الإيمان "أمان".. والكفر "ستر" للحقوق بعيداً عن التعريفات الفقهية التقليدية، يكشف التحليل اللساني أن "الإيمان" هو "منح الأمان" للآخرين؛ فالمؤمن هو من يأمنه الناس على دمائهم وأعراضهم. أما "الكفر"، فهو لسانياً من "الستر والتغطية" (كالزارع الذي يغطي البذور)، والكافر اجتماعياً هو من "يستر الحق"، وإدا ارتبط بالإيمان، فيدل على من "يسلب الأمان" من المجتمع. هذا الفهم يقلب موازين الأولويات؛ فمنح الأمان للناس وحماية حقوقهم مقدم في الرؤية القرآنية على الشعائر التعبدية المحضة. إن "عمارة المساجد وسقاية الحاج" لا قيمة لها إن لم تقترن بمنح الأمان والعدل (الإيمان بالله واليوم الآخر). فالدين في جوهره هو توفير "بيئة آمنة" وليس مجرد طقوس خالية من الأثر الاجتماعي. خامساً: الشرك المتعدي.. نرجسية فرض الرأي باسم الله الشرك بالله ليس مجرد عبادة أصنام حجرية، بل أخطر أنواعه هو "الشرك المتعدي". وهو أن يستخدم الإنسان اسم الله أو آياته ليفرض رأيه الشخصي أو فهمه التراثي على الآخرين بالقوة أو التكفير. المشرك المعاصر هو من يحاول جعل الآخرين نسخة طبق الأصل عنه؛ فيُكَفِّر من يختلف معه في فهم آية، أو يُطالب بقتل المرتد، أو يرفع كتب التراث لتكون مساوية لكتاب الله. هذا الشخص وصفه القرآن بأنه 'نجس' لأن سلوكه الإقصائي يقود لخراب المجتمعات وتدمير التعددية التي فطر الله الناس عليها. الخاتمة: قانون الفعل ورد الفعل الإلهي إن جوهر العدل الإلهي يتجلى في آية: "ويذرهم في طغيانهم يعمهون". فالله لا يُضل الإنسان ابتداءً، بل إن الزيغ يبدأ من قلب الإنسان وسلوكه: "فلما زاغوا.. أزاغ الله قلوبهم". "الترك" (يذرهم) هو النتيجة القانونية الحتمية؛ فالله يترك الظالم لمساره الذي اختاره بكل إرادة. الهداية ليست منحة مجانية، والضلال ليس عقوبة استباقية، بل هما حصاد ما تزرعه يداك في حقول المجتمع والكون. تساؤل ختامي: إذا كان عملك هو بوصلتك الوحيدة للهداية، فإلى أي طريق يسير بك سلوكك اليوم؟ د. م. خالد السيد حسن https://youtu.be/bOookQ-6k_o?si=unsN2r-bdgJDUGd2

تجد   هنا   مزيدا من الدروس القرآنية —


Leave a comment