درس: التقوى الغائبة
● بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ( النساء 1 )
﴿لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوٓا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحْسَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ ( المائدة 93 )
تكررت دعوة الله لنا أن نَتَّقِيَ 100 مرة، عدة مرات في نفس الآية كما في الآيتين السابقتين، ثلاث مرات في ( المائدة 93 ) وحدها وتكررت كلمة تتقون ولعلكم تتقون 30 مرة، وكانت هي دعوى كل الأنبياء
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ ( الشعراء 106 ) ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ ( الشعراء 124 ) ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَـٰلِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ ( الشعراء 142 ) ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ ( الشعراء 161 ) ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ ( الشعراء 177 )
وتكررت كلمة التقوى 9 مرات إن التقوى من أهم غايات القرآن، وكثير من الأفعال التي طلب الله منا القيام بها هي وسائل فقط من أجل التقوى، فالصيام لأجل التقوى ( لعلكم تتقون ) والعبادة بكل أشكالها من أجل التقوى
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ( البقرة 21 )
لكن إبليس كعادته، لم يرد الناس أن يعرفوا دين الله فشوه هذه الكلمة وأبعدها عن مراد الله، فأصبحت التقوى هي : مراقبة الله في أفعالنا ومخافته، وهنا يتجلى دهاء إبليس، لم يذهب بعيدا في تحريفه، بل فقط بدل الغاية بالوسيلة، الوسيلة هي مراقبة الله ومخافته، والغاية هي التقوى لو سألنا القرآن الكريم لوجدنا أن مخافة الله ومراقبته ( تذكره ) هي وسيلة للتقوى ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٌ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُۥ وَاقِعٌۢ بِهِمْ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ( الأعراف 171 ) إذا فمراقبة الله وتذكره هو الذي يجعلنا من المتقين. ولنتأكد أن التقوى وهي من أعظم غايات الدين كما بينا بالعدد الكبير من تكرارها في القرآن، فهي فعل يتشارك فيه المتبع لدين الله وغير المتبع لدين الله ، وذلك من خلال هذه الآية العظيمة من سورة المائدة
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَـٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا۟ ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا۟ ۘ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ ( المائدة 2 )
لاحظوا يا إخواني : الله سبحانه وتعالى يدعونا أن نتعاون مع القوم الذين بيننا وبينهم شنآن ، أي بغض وغضب وخلافات كبيرة ، في السياق الخاص للآية هناك شنآن بين الذين آمنوا وقريش التي صدتهم عن المسجد الحرام، يقول لهم الله ألا يعتدوا عليهم بل أكثر من هذا، يدعوهم أن يتعاونوا معهم على البر والتقوى، ما أعظم هذه الأخلاق ، وأي مجتمعات يدعو لها الله تعالى. من خلال هذه الآية العظيمة تعرفنا أن التقوى هي ضد العدوان. وقد بينا في درس سابق أن التقوى صفة عالمية وخلق بشري، وليس خلقا يتصف به فقط أتباع الدين الإسلامي. فكيف يا ترى أصبحت التقوى غائبة في مجتمعاتنا وهي من أعظم ما يدعونا الله إليه. لا أستطيع أن أفسر هذا إلا بالفهم الميكانيكي للدين. وذلك لِما رأيت من فجور في القول وعدوان وسب في المجموعات التي تناقش الدين والقرآن والسنة، ولا نبرئ أنفسنا فنحن أيضا قد نُدفع إلى ذلك مهما حاولنا تجنبه، ذلك لأننا لسنا أقوياء التقوى. كيف يكون الشخص متقيا وهو يدافع عن دين الله بالسب والشتم وقدف الأعراض والتكفير والإخراج من الإسلام كيف والقرآن غاص ملآن بالدعوة إلى أعلى مستويات الأخلاق
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ ( الحجرات 12 ) تخيل معي أخي الكريم أن الله يُشَبِّه كلامك السيئ في حق أخيك وهو غائب كأنك تأكل لحمه وهو ميت . هذا بالكلام السيئ بغيابه وربما لا يتأذى به فقد لا يسمعه، فما بالك بالكلام السيئ فيه وهو حاضر. إن التقوى أمر عظيم عند الله على الرغم من بساطته. ﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ ( الحج 37 )
إن التقوى قد تكون أمرا بسيطا بعدم تجاوز أخيك عند البقال وقد تكون أمرا بسيطا بعدم الإعتداء على أخيك بالسب و الأذى وقد تكون أمرا كبيرا بعدم الإعتداء على مال أخيك وقد تكون أمرا كبيرا بعدم الإعتداء على حقوق المواطنين. لكن لنبدأ بأنفسنا أولا لنحاول ألا نكون معتدين قدر الإمكان لنحاول أن نكظم غيظنا ﴿وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ( 133 ) • ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ( 134 ) • ﴾ ( آل عمران الآيات 133-134 )
الجنة جزاء المتقين فهل نحن متقون
تجد هنا مزيدا من الدروس القرآنية —