تفكيك دلالة النساء في اللسان العربي والخطاب القرءاني
رد على "موفق البغدادي" مدخل تمهيدي في تهافت الطرح المعارض يفتتح هذا البيان نقداً منهجياً كاشفاً للخلفيات المعرفية التي تحرك القراءات التقليدية في مواجهة التجديد اللساني المعاصر، وينطلق هذا الفحص من ضرورة تعرية التهافت العلمي الممنهج الذي يمارسه بعض المتصدرين لحماية جمود الموروث التفسيري؛ بل ويتوخى هذا المدخل وضع اليد على الخلل البنيوي الحاصل في طريقة الطرح والتدليل السطحي لبيان الحقائق دون زيف. يتضح للمتدبر الفطن أن هذا الباحث المعترض لا يقف بتاتاً عند حدود نقد دراسة دلالية مجردة تتعلق بكلمة النساء، وإنما يوجه طعنه الفكري المباشر إلى المنهج اللساني البنيوي ككل محاولاً تقويض ركائز التدبر المعرفي القائم على نفي التطابق، وإثبات اطراد الجذور في التنزيل الحكيم، ويقدم هذا الناقد نفسه في ثوب الباحث المتمكن المحيط بأسرار اللسان والناصح الأمين المعني بمصلحة الأمة، في حين يسوق اتهامات جائرة مسبقة مبنية على سوء النية ويتهم الطرف الآخر بالتحريف المتعمد للقرءان والعبث ببيانه المحكم ومقاصده السامية. ينشأ هذا الهجوم العنيف في أصله من عجز بنيوي حاد في تمثل الأدوات العلمية، فالناقد لم يفهم المنهج اللساني الحركي ولم يستوعب علله الصرفية والتصريفية الصارمة؛ بل استغل غلو وخطأ بعض المتكلمين ليعممه جزافاً على الجميع دون تمييز منصف، ويتجلى قصوره المعرفي عندما يتشبث بالشائع الدارج في جمع كلمة امرأة ويعممه كقاعدة مطلقة تفرض تفريغ الألفاظ من أصولها الاشتقاقية، ويتجاهل كلياً وجود اشتقاق نساء كجمع مستقل واطراده التصريفي في لسان العرب، مما أوجب التنبيه القطعي من طريقته المضللة حماية لبيان الوحي من التسطيح والتعليب المعرفي يقول:" موفق البغدادي" [" قالوا:إن كلمة “النِّساء” ليست جمع “امرأة” كما يعرفها العرب منذ قرون، بل هي من “النَّسِيء” أو من “الزيادة والتأخير والتجدد”! وهنا لا يعود الأمر اجتهادًا لغويًا، بل انهيارًا كاملًا في فهم أبسط قواعد الاشتقاق وبنية الكلمات. لاحظوا أولًا “النِّساء” مكسورة النون، وهي على صيغة جمع تكسير، والهمزة فيها ليست من أصل الجذر أصلًا. وهنا تأتي القاعدة التي يبدو أن كثيرًا من هؤلاء لا يعرفونها، أو يتجاهلونها عمدًا: إذا احتوى الجذر على همزة قطع أصلية، فإن هذه الهمزة يجب أن تظهر في المشتقات بصورتها الأصلية، أو تتحول إلى أحد أشكالها المعروفة: أ ، إ ، ؤ ، ئ ، ء. فماذا يعني هذا؟ يعني أنه لو كانت “نساء” من الجذر “نسأ” أو “نسئ”، لوجب أن تظهر الهمزة الأصلية في البناء الاشتقاقي نفسه، أي كنا سنجد جمعها شيئًا من قبيل “نِسئَاء” أو “نَسِيئات”، لا “نساء” وبهذه البنية. فالهمزة في نساء ليست همزة جذر بل همزة وزنٍ وصيغة جمع، كما في كثير من أبنية الجموع العربية، مثل: شفع ← شفعاء شرك ← شركاء فالهمزة أُضيفت لبنية الجمع، لا لأنها من أصل الكلمة. وهناك طريقة أخرى تكشف هذا التخبيص بسهولة… لو كان فعلًا يمكن أخذ جذرٍ مهموز مثل “نسأ” ثم بناؤه على هذا الشكل: “فِعال” المنتهي بهمزة، فالمفروض أن نستطيع فعل ذلك مع جذور مشابهة، فلنجرّب: نشأ ← نِشاء سبأ ← سِباء ردأ ← رِداء فهل هذه جموع؟ طبعًا لا، وواضح أنها ليست صيغ جمع أصلًا."] ويتابع قوله: ["المشكلة الحقيقية ليست في الخطأ نفسه بل في المنهج الذي يقف خلفه، فهؤلاء ودائمًا، لا يبدؤون من اللغة ليصلوا إلى المعنى، بل يبدؤون من فكرة مسبقة في رؤوسهم، ثم يحاولون جرّ ألفاظ القرآن إليها جرًّا؛ فإذا لم يساعدهم الاشتقاق… كسروه، وإذا خالفتهم الأوزان… تجاهلوها، وإذا فضحتهم العربية… اتهموا الناس بعدم التدبر! ثم يبدأ الانتقاء العجيب للآيات… فمرّة يجعلون “النساء” بمعنى “الإناث”، ومرّة يجعلونها بمعنى “المتأخر والمتجدد”، ومرّة يبدّلون المعنى بحسب الآية التي أمامهم! وكأن ألفاظ القرآن عجينة مطاطية تُشكَّل بحسب الهوى." ] ويتابع قوله: ["والمشكلة ليست في خطأ كلمةٍ هنا أو هناك… بل في منهجٍ كامل يبدأ بتحريف اللفظ، ثم ينتهي بتحريف الدين نفسه. ولهذا كان أخطر ما يفعله بعض المتفلسفين الجدد أنهم لا يهاجمون النص مباشرة… بل يفرّغون الكلمات من معانيها أولًا، حتى يصبح القرآن قابلًا لأن يُحمَل على أي شيء. وحين تضيع دلالة الألفاظ… يضيع معها البيان. أما القرآن، فباقٍ كما نزل: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ مبين… لا يحتاج إلى هذا الكم من التكلّف ليُفهَم، ولا إلى من يهدم العربية باسم الدفاع عنها."] (انتهى كلامه). ينكشف القصور المعرفي والمنهجي في الأطروحات التقليدية السائدة حين تعجز عجزاً حاداً عن استيعاب سنن الاشتقاق الحركي في النظام البياني للسان العربي المبين؛ بل وتصر تلك الرؤى السطحية على عزل الألفاظ القرءانية عن جذورها التوليدية بذريعة الشذوذ الصرفي أو النقل الاعتباطي المقطوع عن الواضع الأول، ويسعى هذا التصور الشائع تاريخياً إلى إقناع المتلقي بأن لفظ النساء يمثل جمعاً منقطعاً لا جذر له من مبنى لفظه وحروفه وينسبه قسراً ليكون جمعاً لكلمة امرأة المعزولة كلياً في حروفها الهجائية؛ بل يعمد هذا الفكر التراثي المعطل إلى جعل النساء مطابقاً حتمياً للإناث البيولوجية دون التفات علمي صريح إلى قوانين القلب الإعلالي والصياغة الصوتية المحكمة التي تضبط حركة الألفاظ وتمنع فوضى الارتجال اللساني في كتاب الله العظيم، ويتأسس النقد العلمي والمنطقي الصارم على رفض هذه العشوائية التفسيرية التي تحيل كلمات التنزيل الحكيم إلى جزر معزولة تفتقر إلى النظام المطرد والحركة الحيوية؛ بل يبين البحث اللساني المحقق أن كل لفظ في الخطاب القرءاني ينبثق بالضرورة من جذر حركي ثلاثي يحدد معناه المحوري الثابت ويوجه دلالاته التشريعية والوجودية في واقع المعرفة الإنسانية المستنيرة، ويظهر التهافت جلياً في الأطروحة المنتقَدة حين تقدم القواعد الصرفية مجتزأة ومفتقرة للعمق المعرفي؛ بل وتحاول فرض وصاية تراثية قديمة تهدم القوانين الصوتية للسان لتوافق المحفوظات التقليدية المستقرة في أذهان العامة دون تمحيص علمي دقيق. يخطئ النظر الصرفي والنحوي التقليدي خطأ جسيماً حين يتوهم أن الهمزة المتطرفة في لفظ النساء هي مجرد همزة وزن وصيغة جمع طارئة لا صلة لها بأصل البنية والجذر؛ بل يثبت الفحص التصريفي الدقيق والمنطق اللساني المستنير أن هذه الهمزة هي المنتهى الطبيعي والنتيجة الحتمية لعملية إعلالية مطردة تجري على الجذور المعتلة أو المهموزة اللام عند بنائها على وزن فِعَال القياسي في جموع التكسير، ويقوم هذا الوزن الصرفي فِعَال بدور أساس في صياغة جموع الأسماء والصفات المشبهة في نظام البيان؛ بل ويشهد اللسان العربي على مجيء تصاريف أوزان فَعِيل المعتلة أو المهموزة على هذا المثال عند الجمع لرفع الثقل الصوتي وتسهيل الأداء الحركي للفظ المعبر عن معاني الكثرة والتجدد، ويتضح هذا الاطراد الصرفي بيسر عند تأمل النظائر اللسانية الفصيحة التي تنقض دعوى الشذوذ والانقطاع المعرفي، وحيث يجمع لسان العرب لفظ بَرِيء على بِرَاء وبَرَاء؛ بل ويجمع لفظ نَقِيّ على نِقَاء، ولفظ بَغِيّ على بِغَاء، ولفظ رَاعٍ على رِعَاء، ولفظ ظَبْي على ظِبَاء، وينكشف من خلال هذه الشواهد المصقولة أن كل هذه الجموع القياسية تنتهي بالهمزة المتطرفة الناتجة عن قلب الياء أو الواو أو الهمزة الأصلية لتطرفها بعد ألف مد زائدة، مما يثبت بطلان وثبات بطلان الدعوى التي تزعم امتناع صياغة الجذور المعتلة أو المهموزة اللام على وزن فِعَال منتهياً بالهمزة على السطر، وتتحول الألف واللام في النساء إلى أداة تعريف تدخل على البنية المستقرة لتكسبها دلالة شمولية مطردة في الخطاب تتماشى تماماً مع قوانين النحو والإعراب والبيان دون أي انهيار في القواعد الاشتقاقية الكلية للسان. يوثق ابن منظور في معجم لسان العرب هذه الحقيقة التصريفية والاشتقاقية توثيقاً حاسماً يقطع دابر التخرصات التقليدية في مادة نسأ، وحيث أورد صراحة في متنه الضخم أن لفظ النسيء المعبر عن التأخير والزيادة والتأجيل يُجمع في نظام اللسان على نُسَآء على وزن فُعَلاء مثل شريف وشرفاء، ويجوز صياغته تدويرياً على نِسَاء على وزن فِعَال مثل ظريف وظراف وكريم وكرام؛ بل وبين بالبرهان اللساني المطرد أن العرب استعملت هذا الجمع التصريفي ليدل على المتأخرات والمستجدات من الأمور التي تطرأ على النظام الحركي، ويتابع ابن منظور ويقول: امرأة نسيء ونسوة نساء، إذا تأخر حيضهن وكن مظنة الحمل. يتحقق التوثيق العلمي الصارم بالرجوع المباشر إلى نصوص أئمة البيان في معاجمهم لرفع اللبس وتأكيد ضبط الألفاظ بحروفها وحركاتها الدقيقة، ويتأكد هذا الارتكاز الاشتقاقي والحركي بكسر النون في أمهات المصنفات اللسانية التي تفصل دلالة المادة؛ بل ويوجد في بطون المصادر النقل الحرفي الذي يبين اطراد اللفظ ودورانه حول معنى النسيء والتأجيل والتأخر . 1- لسان العرب - ابن منظور مادة نسأ ينص حرفياً: "والنِّسَاءُ بكسر النون سُمِّيْنَ بِذَلِكَ لِنَسْئِهِنَّ عَنِ الرِّجَالِ أَيْ تَأْخِيرِهِنَّ" ويقال:"امرأة نسيء ، ونسوة نِساء ". 2- تهذيب اللغة - أبو منصور الأزهري مادة نسأ ينص حرفياً: "قَال الليثُ: النِّسَاءُ جَمَاعَةٌ وَسُمِّيَتْ نِسَاءً لِتَأَخُّرِهِنَّ عَنْ مَرَاتِبِ الرِّجَالِ" 3- المحكم والمحيط الأعظم - ابن سيده مادة نسأ ينص حرفياً: "والنِّسَاءُ مَعْرُوفٌ، وَقِيلَ سُمِّيَ بِهِ لِتَأَخُّرِ خَلْقِهِنَّ" 4- تاج العروس - مرتضى الزبيدي مادة نسأ ينص حرفياً: "والنِّسَاءُ بالكسر جَمْعٌ، وَقِيلَ هُوَ مِنَ النَّسْءِ بِمَعْنَى التَّأْخِيرِ" يثبت هذا النقل أن النِّساء بكسر النون ترجع في أصلها الاشتقاقي والحركي إلى جذر نسأ المعبر عن النسيء والتأخير والزيادة؛ بل ويبرهن منطقياً وصرفياً على تهافت دعوى الانقطاع الشائع السائد، ويستقر البيان العلمي المحقق على هذا التوجيه الصارم الحامي لإحكام النظام القرءاني العظيم. ويبطل هذا التوثيق المعجمي التأسيسي الراسخ كافة الشواهد الفاسدة التي حاولت منع اشتقاق النساء من النسيء وتأخير الشيء وتجدده؛ بل يؤكد تأكيداً يقيناً أن الصيغة الصرفية نِسَاء المكسورة النون والمنتهية بالهمزة هي جمع حركي صحيح ومستقيم لمفردة نسيء التي جذرها نَسَأَ الذي يرجع في معناه المحوري المطرد إلى معنى التراخي والتأجيل والزيادة والتجدد المستمر في الوجود، ويسقط هذا البيان العلمي المحقق دعوى الشذوذ والانقطاع الصرفي التي تفرضها التفاسير الموروثة؛ بل يثبت أن اللسان يستوعب هذا التوليد البنيوي كقانون عام يحكم حركة الألفاظ وتطور دلالاتها المعنوية والواقعية في فضاء الفكر النقدي المستقل، وصار من الواجب العلمي الاعتراف بأن المعاجم اللسانية القديمة تحمل في طياتها القوانين الكلية التي تهدم الفهم التقليدي التسطيحي وتؤصل للمنهج الحركي الذي يعيد للكلمات القرءانية حيويتها ودقتها التشريعية الفائقة المعبرة عن مراد الخالق سبحانه وتعالى. تهافتت المقارنات الصرفية السطحية المعروضة في الطرح التقليدي والتي حاولت قياس أفعال ثلاثية صحيحة مثل نشأ وسبأ وردأ لتستنكر عدم مجيئها على صيغ جموع تنتهي بالهمزة على نمط نِشاء أو سِباء أو رِداء؛ بل غاب عن هذا القياس الفاسد منطقياً وصرفياً أن هذه الأفعال المذكورة هي جذور ثلاثية مجردة وليست صفات أو أسماء على وزن فَعِيل المعتل أو المهموز القابل للجمع قياساً على وزن فِعَال، وأخطأ المستشهد تالياً خطأ واضحاً حين ظن أن ألفاظاً مثل حِذَاء وشِفَاء وعِشَاء تبطل دلالة الجمع لكونها تستعمل أسماء مفردة؛ بل غفل غفلة تامة عن أن اللسان العربي يستعمل الوزن الصرفي الواحد للمفرد والجمع تتبعاً لاختلاف البنية الجوهرية للجذر الصوتي، ويوجد في نظام البيان الصرفي ركائز متكاملة تسمح بوقوع التطابق اللفظي الظاهري في الوزن مع التباين الدلالي البنيوي العميق في المعنى، وحين نرى أوزاناً مثل رِعَاء وبِغَاء وظِبَاء ونِقَاء وبِرَاء ندرك بالمنطق العلمي الصارم أن وزن فِعَال المنتهي بالهمزة المقلوبة هو صيغة جمع أصيلة وراسخة في لسان الأمة المعبر عن مكنونات فكرها وحركتها الحضارية، وصار من الجلي أن إبطال الجمعية عن وزن فِعَال بناء على أمثلة مفردة هو تهافت يقوض رصانة البحث العلمي ويهدم القواعد التصريفية المستقرة، وتكشف هذه المقارنات الفاسدة عن كسل معرفي يعتمد على ظاهر اللفظ دون النفوذ إلى العلل الصرفية والبيانية الصارمة الحاكمة للنظام اللساني الفصيح. يتجلى الإحكام القرءاني العظيم في تفكيك دلالة النساء ليرفع المفهوم فوق التسطيح البيولوجي الموروث الذي يحصر اللفظ في الإناث من جِسم الإنسان؛ بل يثبت التدبر المستنير والتحليل النقدي للآيات أن لفظ النساء في الخطاب الإلهي المحكم يدل دلالة مطردة على المتأخرات والمستجدات من الحقوق والأفكار والكائنات والمخلوقات التي تأتي متأخرة في الترتيب أو تلحق بالنظام الوجودي والتشريعي لتشكل زيادة وتجدداً في الواقع المعاش، ويقول الله سبحانه وتعالى كاشفاً حركية هذا الجذر ودلالته المحورية الثابتة حول التأخير والزيادة: "إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ" (التوبة: 37)، وتوضح هذه الآية المحكمة أن مادة الكلمة تدور وجودياً حول التأجيل والتأخر، وهو المعنى المعرفي ذاته الذي يهيمن على اللفظ في سياق آيات المواريث والوصايا والعلاقات الاجتماعية حيث تمثل النساء المستجدات والمتأخرات من الحقوق والواجبات التي يجب تقديم العناية الفائقة بها وعدم تهميشها أو تأخيرها تهميشاً يفرغ النظام الاجتماعي من عدالته، وتتنزل الكتب الإلهية والقرءان كافتها لتقرر هذه الحقائق الوجودية الكبرى وتثبتها في الفطرة العقلية السليمة للإنسان؛ بل ولم تأت المنظومة الوحيية لتنشئ الأخلاق والقيم المعنوية من العدم المحض وإنما جاءت لتدعمها وتثبتها وتوجد الضمير الحي واليقظ عبر التذكير الدائم باليوم الآخر والمسؤولية والمحاسبة والجزاء العادل الذي يمنع العبث والاعتباط في الدار الآخرة، وصار من الضروري منطقياً إدراك أن التفاعل الاجتماعي الحركي واليومي للناس يسهم في كشف وتطوير المنظومة الأخلاقية التي جاء التنزيل الحكيم ليقرها ويثبت ركائزها ويحمي النفس الإنسانية الواعية من الهبوط المعرفي والانزلاق نحو التسطيح والتعليب المعرفي المفسد للفهم المستقيم. وتم جمع كلمة امرأة على نساء ليس من جنسها ولا من تصريف كلمة نسيء ؛ بل هو جمع وظيفي وثقافي لتحقق مفهوم النسيء في وظيفتها البيولوجية من محيض وحمل وردف المجتمع بالأولاد ، وعلى الغالب تأخرهن خلف الرجال لحمايتهن والقيام بإدارة شؤون الأسرة والعناية بالأطفال، وهذا لاينفي وصول فئة من النسوة لمقام الرجال في العمل والدراسة والانفاق وتحمل مسؤولية قيادة الأسرة وحدهن أو مع الرجال. واستخدم القرآن كلمة النساء جمع نسيء ، وجمع امرأة ، ويظهر ذلك من خلال السياق وتعلق الخطاب. ينكشف تهافت المنهج التقليدي الجامد الذي يحارب التجديد المعرفي والتدبر المستنير بالتمسح بقواعد مجتزأة يخرقها الفكر التراثي نفسه عند تمرير مروياته وتفاسيره المعتمدة على النقل؛ بل ويظهر العجز المنطقي حاداً وصارخاً حين يعجز هذا الفكر عن تقديم رابط اشتقاقي وصرفي واحد يربط بين لفظ امرأة ولفظ نساء في مباني الحروف، ويكتفي بادعاء الشذوذ اللساني والانقطاع الجذري ليعطل العقل عن فهم مرام الإحكام، ويصون المنهج اللساني النقدي بيانية الوحي ويحيي آيات التنزيل ويحميها من التسطيح والتعليب التفسيري الموروث الذي أفرغ الكلمات من طاقتها الحركية والمعرفية الهائلة، وصار من المحتم على الباحث المستنير إعمال المنطق الرصين وتفعيل قوانين اللسان العربي المبين لاسترداد معاني القرءان المهيمنة والواضحة الكفيلة بإخراج الأمة من تيهها الحضاري وحيرتها المعرفية، ويظل القرءان الكريم كتاب هداية وبيان مستمر يتحدى جمود المناهج التقليدية بلسان عربي مبين يملك طاقة الإيضاح الذاتية ولا يحتاج إلى تكلّف يفرغه من مقاصده السامية المحكمة الممتدة عبر الزمان والمكان لتوجه حركة الوعي الإنساني الرشيد المستقل نحو اليقين المطلق والنهضة المعرفية الشاملة.
تجد هنا مزيدا من الدروس القرآنية —
Leave a comment